السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (7)
الفريق شرطة حقوقي (م) د. الطيب عبد الجليل حسين محمود - المحامي واستشاري القانون.
(Eltayeb2hussein@gmail.com - Eltayeb.hussein@yahoo.com)
-----------------------------------
إحالة لما سبق، تشير المقالات (1– 6) إلى أن نشأة الدولة السودانية الحديثة تمت داخل بنية استعمارية مركّبة (الكوندومينيوم)، أفرزت جهازًا إداريًا حديثًا من حيث الشكل، لكنه افتقر إلى قاعدة شرعية اجتماعية متماسكة. كما ارتكزت الدولة على ترسيمات حدودية لم تُراعِ الامتدادات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية مع دول الجوار الحدودية، الأمر الذي أسهم في تعميق التعدد وإضعاف مسارات الاندماج الوطني.
وفي هذا السياق، برزت فئة الأفندية (Effendiya / Efendi Class) بوصفها نواة النُخبة الحديثة خلال فترة الحكم الثنائي البريطاني–المصري (31/ 12/ 1898م – 01/01 / 1956م)، حيث تشكّلت فية الأفندية عبر التعليم النظامي واندماجها في الجهاز البيروقراطي الاستعماري. وقد أدّت هذه الفئة دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، قبل أن تتحول بعد الاستقلال إلى الفاعل السياسي الرئيسي، ممثلةً ما يُعرف بالنًخبة (Elite) والصفوة (Select Elite / Upper Elite) في السودان.
إلا أنّ الانتقال من موقع الوساطة الإدارية إلى موقع القيادة السياسية، لم يُفضِ إلى بناء مشروع وطني مؤسسي مستقر، بل أسهم في إعادة إنتاج منطق الحكم الاستعماري في صورة صراعات نخبوية وتوافقات صفوية ضيقة. وفي هذا السياق، أصبحت السلطة السياسية للنًخب الحاكمة، في الممارسة الفعلية، قائمة على التحكم في الموارد العامة وآليات إعادة توزيعها، بدلاً من تأسيس اقتصاد إنتاجي أو ترسيخ علاقة ضريبية فعّالة (Taxation–Representation Link) تربط بين الدولة والمجتمع وتعزز المساءلة والتمثيل السياسي.
في هذا الإطار، يبرز البُعد الدستوري للتحليل، حيث يُشكّل مفهوما المساءلة (Accountability) والتمثيل السياسي (Political Representation) ركيزتين أساسيتين في النظرية الدستورية المقارنة المعاصرة؛ إذ تُعنى المساءلة بآليات ضبط السلطة ومحاسبتها عبر المؤسسات القضائية والرقابية والرأي العام، بينما يُجسّد التمثيل السياسي حضور المواطنين داخل البنية الدستورية عبر ممثلين منتخبين، أو - في السياقات الانتقالية الاستثنائية - عبر ممثلين مُعيّنين ضمن ترتيبات مؤقتة، كما في المجالس التشريعية الانتقالية. وقد بلورت الأدبيات هذا الترابط في مفهوم Political Representation and Democratic Accountability بوصفه إطارًا يربط بين شرعية التمثيل وفعالية المساءلة داخل منظومة حكم ديمقراطية متكاملة.
إلا أن القيمة الفعلية لأي من هذين النمطين من التمثيل - سواء التمثيل المؤسسي الدستوري القائم على الانتخاب، أو التمثيل المؤسسي بالتعيين في السياقات الانتقالية - لا تتحقق بمعزل عن ترابطهما مع مبدأ المساءلة؛ فالتمثيل يفقد مضمونه ما لم يُقترن بآليات فعّالة للمحاسبة، كما أن المساءلة تصبح شكلية إذا لم تستند إلى قاعدة تمثيلية، ولو في صورتها الانتقالية، تعكس الإرادة العامة وتُشكّل أساسًا لشرعية مؤقتة قابلة للتطور نحو الشرعية الديمقراطية الكاملة. ومن ثمّ، فإن اللجوء إلى التعيين في تشكيل المجالس التشريعية الانتقالية لا يُفهم بوصفه بديلًا عن التمثيل، بل باعتباره ضرورة دستورية استثنائية تفرضها مقتضيات المرحلة الانتقالية، حيث يتعذر إجراء انتخابات عامة في ظل انعدام الاستقرار أو غياب البنية المؤسسية الكاملة. وعليه، يُنظر إلى التعيين باعتباره آلية تأسيسية مؤقتة لإعادة بناء المجال العام وترتيب شروط الانتقال التدريجي نحو التمثيل الانتخابي المستقر، بما يضمن استعادة التوازن بين التمثيل والمساءلة داخل البنية الدستورية.
وتتأسس مشروعية هذا النمط من التمثيل غير الانتخابي بالتعيين - في السياقات الانتقالية - على حزمة من الضمانات المؤسسية الجوهرية التي تستهدف منع انحرافه عن وظيفته التأسيسية، وفي مقدمتها أن يتم التعيين وفق معايير الكفاءة والتنوع والتمثيل المجتمعي، لا على أساس المحاصصة الضيقة أو تقاسم النفوذ بين الفاعلين السياسيين. كما يقتضي ذلك إخضاع هذا النمط من التمثيل لرقابة سياسية وقانونية متعددة المستويات، بما يضمن توازن السلطة ويحول دون احتكار القرار أو انغلاقه داخل دوائر ضيقة. ويُضاف إلى ذلك، ضرورة تحديد ولاية زمنية واضحة ومحددة سلفًا لهذه المجالس، مع ربطها بخارطة انتقالية ملزمة تقود بصورة تدريجية إلى إجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، بما يجعل التعيين مرحلة تأسيسية مؤقتة لا وضعًا دائمًا. وفي السياق ذاته، يُعد تعزيز الشفافية وإتاحة المجال العام للمساءلة - بما يشمل الرقابة الإعلامية والقضائية والمجتمعية - شرطًا حاسمًا لتحويل التعيين من مجرد آلية اضطرارية قد تنطوي على مخاطر إعادة إنتاج الهيمنة، إلى أداة انتقال دستوري منظمة تسهم في بناء الشرعية الديمقراطية بصورة تراكمية.
وبناءً على ذلك، لا يُنظر إلى المجالس التشريعية الانتقالية المُعيّنة بوصفها انحرافًا عن مبدأ التمثيل، بل باعتبارها آلية دستورية ظرفية لإدارة الفراغ السياسي وإعادة تأسيس الشرعية، شريطة أن تُصمم ضمن منظومة متكاملة من الضمانات التي تمنع تحولها إلى امتداد دائم لسلطة النُخب، وخاصة الحدّ من مركزية سلطة الصفوة النخبوية، وتضمن في الوقت ذاته انتقالها التدريجي نحو تمثيل انتخابي كامل يعيد ترسيخ العلاقة العضوية بين التمثيل والمساءلة داخل البنية الدستورية.
ولذلك، تُعبّر الأدبيات السياسية-الدستورية عن هذا الترابط في التمثيل والمساءلة داخل البنية الدستورية بمفهوم (Political Representation and Democratic Accountability)، الذي ينظر إلى الديمقراطية بوصفها منظومة متكاملة تربط بين شرعية التمثيل وفعالية المساءلة، لا مجرد عملية انتخابية شكلية ذات طابع صوري. وضمن هذا الفهم، يمكن استيعاب المجالس التشريعية الانتقالية - حتى في حال تشكيلها بالتعيين - بوصفها أدوات مؤقتة لإعادة بناء الشرعية، شريطة أن تُحاط بضمانات مؤسسية واضحة، مثل الشفافية، وتعدد مراكز الرقابة، وإمكانية المساءلة السياسية والقضائية، بما يمنع انزلاقها إلى إعادة إنتاج أنماط السيطرة النخبوية-الصفوية خارج الإطار الديمقراطي.
وعند تطبيق هذا الإطار المفاهيمي، القائم على الترابط بين التمثيل والمساءلة، وفي سياق العلاقة العضوية بين الضرائب والتمثيل (Taxation–Representation Link)، على التجربة السودانية، يتبيّن أن المجالس التشريعية الانتقالية التي نشأت في أعقاب التحولات السياسية الكبرى - كما في 1964م ، 1985م ، 2019م - لم تنجح في ترسيخ هذه المعادلة بصورة مستقرة. فقد اتسمت هذه التجارب بطابع انتقالي قائم على التعيين أو التوافقات بين النُخب والصفوة، أكثر من استنادها إلى تفويض شعبي مباشر، مما أضعف قدرتها على تمثيل الإرادة العامة وحدّ من فاعليتها الرقابية. كما انعكس ذلك في ضعف أدوات المساءلة البرلمانية، وتعثر تشكيل المؤسسات التشريعية، وخضوعها لتوازنات سياسية ضيقة حالت دون تحولها إلى مؤسسات قادرة على ضبط السلطة التنفيذية أو إعادة بناء الشرعية على أسس مؤسسية مستقرة.
ولا يمكن فصل هذا القصور عن البنية السياسية الحاكمة، إذ لم تكن المجالس الانتقالية تعبيرًا عن تمثيل اجتماعي واسع، بقدر ما كانت امتدادًا لترتيبات نخبوية أعادت توزيع النفوذ داخل الدولة في لحظات التحول. فمنذ الفترات الانتقالية المبكرة، برزت النُخب الحزبية والنقابية والعسكرية بوصفها الفاعل الرئيسي في تشكيل المجال السياسي-السلطوي المالك للسلطة، حيث جرى احتواء الزخم المجتمعي داخل أطر تنظيمية محدودة أعادت إنتاج التمثيل بصيغة مُقيّدة تحكمها اعتبارات التوازن بين القوى الفاعلة أكثر من ارتباطها بالإرادة العامة. ومع المرحلة اللاحقة، خاصة بعد 2019م، تعمّق هذا النمط مع تداخل الفاعلين المدنيين والعسكريين داخل شبكات نفوذ ومصالح معقدة، ما أدى إلى ترسيخ منطق المحاصصة وتقاسم الموارد داخل مؤسسات يُفترض أن تمارس الرقابة والمساءلة.
وفي هذا السياق، يكتسب التمييز بين النُخبة والصفوة أهمية تفسيرية مركزية؛ إذ تشير النُخبة إلى المجال الواسع للفاعلين المؤثرين سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا، بينما تعبّر الصفوة عن الدائرة الأضيق التي تحتكر فعليًا مراكز القرار داخل الدولة وتتحكم في توجيه مواردها وصياغة قواعد اللعبة السياسية. وبالتالي، فإن الأزمة لا ترتبط بوجود نُخبة بحد ذاته، بل بتمركز الصفوة وقدرتها على إعادة إنتاج هيمنتها عبر آليات متعددة، أبرزها التحكم في بوابة الوصول إلى الموارد (access) ثم إدارة توزيعها (allocation) داخل شبكات الولاء والتحالفات المتغيرة.
ويتقاطع هذا النمط مع البنية الريعية–التوزيعية للدولة، حيث تتحول المؤسسات - بما فيها التشريعية - إلى أدوات لإدارة الموارد وتوزيعها، بدل أن تكون فضاءات مستقلة لضبط السلطة ومساءلتها. وهو ما يفسّر تراجع العلاقة بين الضرائب والتمثيل، وضعف آليات المساءلة، وتحول الصراع السياسي تدريجيًا إلى تنازع على السيطرة على الدولة بوصفها مصدرًا للريع، لا باعتبارها إطارًا لإنتاج القيمة وتنظيم التنمية.
وقد تعزز هذا الاتجاه تاريخيًا مع التوسع في اقتصاديات الموارد في السودان، بدءًا من الدور المركزي للقطن في مشروع الجزيرة بوصفه أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في المرحلة الزراعية التقليدية، مرورًا بتأثيرات النفط بعد انفصال جنوب السودان، بوصفه مرحلة أعادت إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، وصولًا إلى تصاعد مركزية الذهب في الاقتصاد الوطني في المرحلة الراهنة. وقد أسهم هذا التحول في إعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والاقتصاد داخل شبكات متداخلة تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والبيئية، بما عمّق منطق إعادة توزيع الريع، على حساب بناء قاعدة إنتاجية مستدامة وسلاسل قيمة اقتصادية متكاملة.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن تعثّر بناء دستور جامع في السودان، لم يكن نتيجة قصور إجرائي، بل امتدادًا للإرث البنيوي ذاته، حيث جرى التعامل مع الشأن الدستوري بوصفه مجالًا للتوافقات السياسية الظرفية لا بوصفه منظومة معيارية مستقرة تحكم إنتاج السلطة وتداولها وفق سيادة القانون. ونتيجة لذلك، بقيت الشرعية الدستورية رهينة لتوازنات الصفوة وتقلباتها، الأمر الذي أضعف تماسك الدولة المؤسسي ورسّخ الطابع غير المستقر لكلٍّ من السلطة والدستور.
ومن ثمّ، فإن فهم تعثّر مشروع بناء الدولة السودانية الحديثة يظل مرهونًا بتحليل البنية التكوينية للنُخبة والصفوة، بوصفهما الفاعل المركزي في إنتاج هذا المسار وإعادة إنتاجه. فهذه الفئات، التي نشأت تاريخيًا داخل الجهاز الإداري الاستعماري الكوندومينيوم ثم انتقلت إلى قيادة المجال السياسي بعد الاستقلال، لم تُنتج تحولًا مؤسسيًا مكتملًا، بل أعادت تدوير أنماط الحكم القائمة على التوافقات الضيقة وإدارة التوازنات، بما جعل الدولة تعيد إنتاج ذاتها داخل حدود النُخبة والصفوة لا داخل إطار مؤسسي مستقل.
وفي مقابل فئة الأفندية، بوصفها الامتداد المباشر لمنطق الكوندومينيوم الاستعماري، برز لاحقًا فاعلٌ سياسي– اجتماعي جديد تمثّل في فئة المهاجرين والمبتعثين والدبلوماسيين المقيمين في الخارج، حيث استقر عددٌ منهم في دول الإقامة واتخذها موطنًا بديلًا عن الانتماء المكاني التقليدي. وقد أفضى ذلك إلى تشكّل نُخبة عابرة للحدود، تتسم بتعدد الانتماءات والسياقات المرجعية، الأمر الذي أسهم في بلورة تصورات مغايرة حول الدولة السودانية، وأزمة النُخبة السودانية، وإمكانات إعادة بناء المشروع الوطني.
وقد انعكس هذا التحول في إعادة تشكيل الوعي السياسي لهذه الفئة – المهاجرين – إذ تأثر بدرجات متفاوتة بسياقات دول الإقامة من حيث النظم المؤسسية والقيم وأنماط الحكم، مما أفرز رؤى جديدة تجاه طبيعة الدولة السودانية ووظائفها. إلا أن هذا الانفتاح، في بعض تجلياته، أفضى إلى قدر من الاغتراب السياسي–الثقافي، تمثّل في ضعف الارتباط العضوي بالمشروع الوطني، وتراجع مركزية مفهوم التنمية بوصفها عملية اجتماعية شاملة لإعادة بناء الدولة والمجتمع، لا مجرد استلهام أو نقل نماذج قوالب جاهزة من سياقات مغايرة.
ومع ذلك، إزداد هذا التعقيد بفعل خضوع بعض هذه النُخب لآليات الاستقطاب السياسي والفكري من قوى خارجية، حيث جرى توظيفها - في بعض الحالات - ضمن شبكات تأثير عابرة للحدود، بما جعلها أقرب إلى قنوات لنقل مصالح دول الإقامة، بدلًا من كونها فاعلًا مستقلًا في إطار مشروع وطني سوداني. وقد انعكس ذلك في مواقفها وسرديات خطاباتها السياسية، التي اتسمت أحيانًا بالتأثر أو التماهي مع أجندات خارجية، ضمن أنماط من التأثير غير المباشر في مقاربة الأزمات الوطنية.
وتتجلى هذه التأثيرات بوضوح في مسار البناء الدستوري السوداني، حيث ظهرت في عدد من المحطات المفصلية، من أبرزها الدستور الانتقالي لسنة 2005م المنبثق عن اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا – كينيا 2004م) بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان، وكذلك الوثيقة الدستورية لسنة 2019م التي قامت على الاتفاق السياسي في الخرطوم بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير. كما يمكن رصد هذا النمط في الدساتير ذات الطابع النخبوي-الصفوي، مثل مشروعات دستور 1964م–1965م، والدستور الدائم لسنة 1973م، ودستور السودان لسنة 1998م، حيث عكست هذه التجارب بدرجات متفاوتة تأثير التوازنات النخبوية والضغوط الخارجية، بما حدّ من تعبيرها الكامل عن إرادة وطنية جامعة، وأعاد إنتاج إشكالية الفرض الخارجي أو التوافق الصفوي-النخبوي في تشكيل الإطار الدستوري للدولة، وإنتاج وإعادة إنتاج أنموذج الدولة المصطنعة والدولة المفروضة من الخارج.
في هذا الإطار، وبشكل أدق توصيفًا، يمكن القول، إن هذه الديناميات - أي مجموعة العمليات التفاعلية المتعلقة بالنُخب المهاجرة وعلاقتها بالتأثير الخارجي وإعادة إنتاج أنماط الدولة - أسهمت، في بعض تجلياتها، في إعادة إنتاج منطق الدولة المفروضة من الخارج، لا عبر أشكال الهيمنة المباشرة، بل من خلال التأثير في تشكيل وعي النُخب وتوجيه مسارات الفعل السياسي من خارج السياق الوطني، بما يفضي في المحصلة إلى إعادة إنتاج سمات الدولة المصطنعة التي تُصاغ وفق تصورات خارجية أكثر من كونها تعبيرًا عضويًا تاريخياً عن تطور داخلي متجذر.
وهكذا، يتضح أن جزءًا من وعي النُخب المهاجرة لم ينجح في التحرر من منطق التأثير الخارجي، الأمر الذي أسهم في إعادة إنتاج أزمة الشرعية الوطنية، سواء عبر ضعف الارتباط بالقيم العليا المرتبطة بالوطن الأصلي، أو من خلال توجيه مسارات الفعل السياسي نحو أولويات لا تنسجم بالضرورة مع مقتضيات السياق السوداني الوطني – المحلي الداخلي. ويُفهم هذا القصور في الانفصال عن دوائر التأثير الخارجي بوصفه مرتبطًا ببنية الوعي النخبوي ذاتها، بما يجعل إعادة إنتاج هذه الإشكالية عملية ممتدة لا لحظية، وهو ما يعمّق بدوره أزمة الشرعية الوطنية.
وبناءً عليه، تُفضي هذه الديناميات - بوصفها مجموعة من العمليات التفاعلية المرتبطة بالنُخب المهاجرة وعلاقتها بالتأثير الخارجي وإعادة إنتاج أنماط الدولة - إلى تكريس منطق الدولة المصطنعة. فهي تتمثل في تداخل التأثير الخارجي مع تشكّل وعي النُخب المهاجرة وإعادة توجيه الفعل السياسي بعيداً عن السياق الوطني السوداني الداخلي، الأمر الذي يقود إلى إعادة إنتاج سمات دولة تُبنى وفق تصورات خارجية أكثر من كونها انعكاساً لتطور داخلي متجذر. ونتيجة لذلك، تُرسّخ هذه الديناميات هشاشة البنية الوطنية وتُبقي على اختلالها البنيوي المستمر.
وبذلك، تتقاطع أزمة النُخب المهاجرة مع أزمة النُخب الصفوية الداخلية، ممثلة في طبقة الأفندية والفاعلين السياسيين–الاجتماعيين؛ إذ يتجاور نمطان من الوعي في إعادة إنتاج الأزمة السودانية: عقلٌ داخلي أسير لإرث الكوندومينيوم الاستعماري، وعقلٌ خارجي مشدود إلى سياقات وثقافات الموطن البديل. وفي المحصلة، أخفق كلا النمطين في بلورة مشروع دستوري وطني جامع قادر على إعادة تعريف مفهوم الدولة - في الأدبيات السياسية والدستورية المعاصرة - بوصفها إطارًا متكاملًا للشرعية والمساءلة والتنمية، بما يفضي إلى تأسيس توافق اجتماعي مستقر يُنهي حالة الاهتزاز السياسي المستمر ويعيد توجيه الدولة نحو مسار مؤسسي مستدام.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول، إن عقل النُخب السودانية المعاصرة الداخلي والخارجي، ما زال أسيرًا لميراث الكوندومينيوم الاستعماري؛ إذ يستبطن منطق التوافقات الضيقة وإدارة النفوذ والمال والثروة داخل مؤسسات الدولة، ويُظهر ضعفًا واضحًا في الثقافة السياسية وفق مقتضيات الوظيفة المعيارية للدولة والحكومة، من حيث تحقيق الأمن والسيادة، وإرساء العدالة والمساءلة، وتعزيز التنمية وتقديم الخدمات العامة. ويُفهم هذا الضعف في إطار الثقافة السياسية بوصفها منظومة من القيم والمعارف والتصورات التي تحكم سلوك الفاعلين السياسيين وتوجّه ممارساتهم، حيث لم تتبلور بعدُ لدى النُخبة السودانية ثقافة مؤسسية راسخة تقوم على سيادة حكم القانون، والمسئولية العامة، والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
كما يتداخل هذا القصور الداخلي مع امتدادٍ آخر لا يقل أثرًا، يتمثل في ميراث الاستلاب الخارجي المفروض من الخارج، حيث تسهم بعض أنماط التأثيرات الفكرية والسياسية العابرة للحدود في إعادة تشكيل أولويات الفعل النخبوي الصفوي خارج سياقه الوطني، بما يضعف استقلالية القرار السياسي، ويكرّس تبعية معرفية ومعيارية في مقاربة قضايا الدولة. ويؤدي هذا التداخل بين الإرث الاستعماري الداخلي وآليات الاستلاب الخارجي إلى تعميق أزمة الوعي السياسي، وإضعاف القدرة على إنتاج تصور وطني مستقل للدولة ووظائفها، قائم على التوازن بين الخصوصية التاريخية ومتطلبات الحداثة المؤسسية.
وهكذا، فإن أزمة الشرعية الراهنة في السودان، ليست سوى امتداد لتاريخ طويل من إعادة إنتاج الصراعات النخبوية الصفوية، بما حال دون ترسيخ شرعية دستورية جامعة، وأبقى الدولة السودانية في حالة اهتزاز سياسي دائم، عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية وتحقيق تنمية اجتماعية مستدامة. ويعكس هذا الوضع فجوةً بنيوية بين متطلبات الدولة الحديثة وممارسات النُخبة والصفوة، وهي فجوة لا يمكن تجاوزها إلا عبر إعادة بناء الوعي السياسي والمؤسسي على أسس معرفية جديدة تعيد تعريف علاقة السلطة بالمجتمع. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
22/ 04/ 2026م
التصنيف :
الرأي

