السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (6)

السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (6)

الفريق شرطة حقوقي (م)  د.  الطيب عبد الجليل حسين محمود - المحامي واستشاري القانون. 
(Eltayeb2hussein@gmail.com -  Eltayeb.hussein@yahoo.com)

-----------------------------------
إحالةً إلى ما سبق تناوله حول طبيعة ونشأة الدولة السودانية المعاصرة، يمكن القول إن الدولة نشأت داخل بنية استعمارية مركّبة (الكوندومينيوم)، أسست جهازًا إداريًا حديثًا من حيث الشكل، دون قاعدة شرعية اجتماعية مكتملة، مع ترسيم حدود سياسية لم يراعِ الامتدادات الاجتماعية للمجتمعات المحلية لدول الجوار مع السودان، بما أسهم في تعميق التعدد الإثني وإضعاف مسارات الاندماج الوطني.
وفي ذات سياق نشأة الدولة السودانية في ظل الحكم الاستعماري، وظّفت الإدارة الاستعمارية المؤسسات الإدارية والقانونية، ومن أبرزها المجلس الاستشاري لشمال السودان (1948م)، في تشكيل نُخبة بيروقراطية محلية عُرفت بـالأفندية (Effendiya / Efendi class)، وهو مصطلح ذو أصل عثماني يُستخدم للدلالة على فئة المتعلمين والموظفين المرتبطين بالجهاز البيروقراطي الحديث. وقد أُدمجت هذه الفئة في هياكل الحكم بوصفها وسيطًا إداريًا وسياسيًا بين الإدارة الاستعمارية والمجتمع المحلي، حيث تبلورت اجتماعيًا ومعرفيًا عبر التعليم الحديث (التمدرسي)، أي التعليم النظامي القائم على المناهج المقررة والمؤسسات التعليمية الرسمية التي أنشأها أو نظمها الاستعمار، والمتميّز عن أنماط التعليم التقليدي والديني مثل الكُتّاب والخلاوي، بما أسهم في إعادة إنتاج نمط جديد من النخبة المرتبطة بالدولة الحديثة وإدارتها البيروقراطية.
وإلى جانب ذلك، فقد تعزّز موقع الأفندية من خلال انخراطهم في الوظائف الإدارية التي أتاحها الجهاز الاستعماري في طور تشكّله، وهو ما أسهم في تشكّل طبقة من النُخبة (Elite)، ولاحقًا ما يمكن توصيفه بـالصفوة (Select Elite / Upper Elite) التي تميّزت بترسّخ موقعها الوظيفي والمعرفي داخل بنية الدولة الاستعمارية وإرهاصات الدولة الوطنية لاحقًا.
وانطلاقًا من هذا التكوين البنيوي، انتقلت طبقة الأفندية لاحقًا إلى موقع الفاعل السياسي- المجتمعي الرئيسي في قيادة الحراك السياسي الوطني. إلا أن هذا الانتقال لم يُفضِ إلى بناء توافق سياسي مستقر، بل أسهم - بحكم تشكّلها التاريخي ووظيفتها الوسيطة - في تكريس تعددية حزبية وإيديولوجية متنازعة، اتسمت بصراعات حادة حول السلطة والثروة وآليات إدارة الدولة، على نحو أعاق تطور مؤسسي متماسك للدولة الوطنية.
وبعد الاستقلال، أعاد الفاعلون السياسيون–الاجتماعيون المنحدرون من طبقة الأفندية، بما تمثّله من النُخبة (Elite)  والصفوة (Select Elite / Upper Elite)، إنتاج منطق الحكم الاستعماري–الكوندومينيوم في صورة صراعات نخبوية وتوافقات سياسية–صفوية ضيقة، بما أسهم في إعادة تشكيل بنية الدولة بعيدًا عن منطق المؤسسات القانونية القائمة على سيادة القانون، نحو أنماط من الإدارة السياسية تُدار عبر شبكات توزيع المنافع وإعادة تخصيص الموارد العامة خارج إطار الإنتاج، بما ينسجم مع منطق الدولة الريعية، حيث تصبح عملية الحكم أقرب إلى آلية لتوزيع العوائد الريعية والامتيازات أكثر من كونها مشروعًا لتوليد الثروة أو بناء قاعدة إنتاجية مستدامة.
وفي هذا السياق، يُستدعى مفهوم الدولة الريعية (Rentier State) بوصفه إطارًا نظريًا تفسيريًا لهذا التحول، وليس مجرد توصيف وصفي، إذ يُعرّف في الأدبيات الكلاسيكية في الاقتصاد السياسي بأنه نمط من الدول تعتمد فيه بشكل أساسي على إيرادات خارجية غير متولدة من النشاط الإنتاجي المحلي، يُطلق عليها (الريع - (Rent، بدلًا من الاعتماد على الضرائب أو قاعدة إنتاجية داخلية مُستدامة، بحيث تتشكل موارد الدولة غالبًا من عوائد النفط والغاز والمعادن، أو من المساعدات والمنح الخارجية، أو من الرسوم ذات الطبيعة الاستراتيجية مثل رسوم عبور الممرات والقنوات، وأحيانًا من تدفقات تحويلات مالية خارجية كبيرة، وينعكس هذا النمط البنيوي في جملة من الخصائص، من أبرزها ضعف العلاقة الضريبية بين الدولة والمجتمع، بما يضعف ما يُعرف في الأدبيات السياسية بمبدأ ضريبة–تمثيل (Taxation–Representation Link)، وهو مفهوم يشير إلى العلاقة السببية بين فرض الضرائب وظهور التمثيل السياسي والمساءلة، حيث يفترض في النماذج الكلاسيكية للدولة الحديثة، أن اعتماد الدولة على الضرائب التي يدفعها المواطنون، يعزز مطالبهم بالمشاركة في صنع القرار والرقابة على السلطة، في حين أن تراجع هذه العلاقة أو ضعفها، يؤدي إلى انخفاض مستويات المساءلة السياسية. وينتج عن ذلك تعزيز استقلال الدولة النسبي عن المجتمع اقتصاديًا، مع تعاظم مركزية الجهاز التنفيذي مقارنة بالمجتمع المدني، واتساع نطاق الإنفاق التوزيعي ذي الطابع الريعي مثل الدعم والوظائف الحكومية والإعانات، في مقابل ضعف التنويع الاقتصادي وقاعدة الإنتاج المحلي.
وقد صاغ مفهوم الدولة الريعية في صورته التحليلية الأكثر تأثيرًا كل من الاقتصادي السياسي المصري–الأمريكي حازم بيبلاوي (Hazem Beblawi)، والباحث الإيطالي جياكومو لوتشياني (Giacomo Luciani)، حيث قدّم بيبلاوي تحليلًا يركّز على أثر الريع في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولا سيما من حيث إضعاف المساءلة الضريبية نتيجة استقلال الدولة المالي عن المواطنين، بينما ركّز لوتشياني على البنية المؤسسية للدولة الريعية وكيف يعيد الريع إنتاج أنماط السلطة وآليات التوزيع داخلها، بما جعل هذا المفهوم أحد أهم الأدوات التفسيرية في دراسة الاستقرار السياسي، وبنية السلطة، وتعثر التحول الديمقراطي في السياقات الريعية.
ويُعزَّز هذا الإطار النظري عند مقارنته بمجموعة من النماذج المعاصرة، حيث تمثل دول الخليج العربي (الخليج البترودولاري) النموذج الأكثر كلاسيكية ومرجعية في الأدبيات لما يُسمّى بالدولة الريعية البترولية (Oil Rentier / Petro-rentier State)، مثل السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة، إذ تعتمد هذه الدول بدرجة كبيرة على عوائد النفط والغاز في تمويل الدولة، مع محدودية الاعتماد على الضرائب المباشرة، بما يجعلها حالات شبه نموذجية للعلاقة الريعية بين الدولة والمجتمع، حيث تقوم بنية الشرعية السياسية فيها على تبادل الريع مقابل الاستقرار السياسي وتوفير الخدمات، وهو ما جعلها نقطة ارتكاز مركزية في بناء المفهوم نظريًا. 
ومع ذلك، فإن هذا النموذج للدول الريعية لا يُقدَّم بوصفه حالة جامدة، إذ شهدت بعض هذه الدول، خاصة الإمارات وقطر والسعودية، مسارات متقدمة نسبيًا في تنويع الاقتصاد ضمن ما يُعرف ببرامج التحول الاقتصادي (مثل رؤية 2030م)، إلا أن الريع النفطي والغازي يظل عنصرًا بنيويًا مهيمنًا في تشكيل المالية العامة ومنطق الدولة. كما تُقارن هذه الحالات بدول أخرى مثل الجزائر وليبيا في فترات تاريخية معينة، ونيجيريا وفنزويلا خارج السياق العربي، حيث يتباين مستوى الريع وقدرة الدولة على إدارته، ما ينعكس مباشرة على أنماط الحكم، وبنية الشرعية، واستقرار المؤسسات.
و يُفضي هذا الإطار النظري، عند تطبيقه على مسار الدولة السودانية بعد الاستقلال، إلى تفسير التحول التدريجي من دولة يُفترض أنها تقوم على منطق مؤسسي–قانوني إلى بنية يغلب عليها الطابع التوزيعي الريعي، بما انعكس في إضعاف احتكار الدولة للعنف المشروع، وتآكل فاعلية المؤسسات، وتنامي دور الفواعل السياسية –الاجتماعية خارج الإطار الرسمي للدولة، الأمر الذي أسهم في إعادة إنتاج الصراعات النخبوية بدل ترسيخ مشروع بناء إنتاجي ومؤسسي مستدام.
وفي السياق السوداني المبكر بعد الاستقلال، يمكن ملاحظة ملامح هذا النمط للدولة الريعية من خلال الاعتماد النسبي على عائدات القطاع الزراعي التصديري، وعلى رأسه القطن في مشروع الجزيرة بوصفه المورد الأساسي للعملة الصعبة والإيرادات العامة في مرحلة ما بعد الاستقلال، وهو ما جعل الاقتصاد السوداني وقتها أقرب إلى نموذج يعتمد على مصدر واحد ذي طبيعة ريعية–زراعية غير متنوع القاعدة الإنتاجية. كما ارتبطت هذه المرحلة بنقاشات داخل البرلمان - المؤسسة التشريعية - حول بنود الإنفاق العام، ومن بينها ما عُرف في بعض المداولات البرلمانية المبكرة بـقضية (بند العطالة) في الميزانية العامة، باعتباره تعبيرًا عن الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالبطالة واتساع جهاز الدولة الإداري مقارنة بضعف الاقتصاد المنتج، وهو ما عكس مبكرًا إشكالية العلاقة بين الدولة والموارد المحدودة وآليات توزيعها.
وإزاء ذلك، في المقابل، لعبت النُخب السياسية، ومنهم رئيس الوزراء الأسبق محمد أحمد محجوب والشريف حسين الهندي، دورًا بارزًا في إدارة هذا النقاش – بند العطالة - حول بنية الاقتصاد والميزانية العامة داخل البرلمان، في سياق توازنات سياسية ونخبوية كانت تُدار في ظل اقتصاد محدود القاعدة الإنتاجية، ومثقل بتوقعات اجتماعية مرتفعة على الدولة. وتُظهر هذه العناصر مجتمعة كيف تبلورت، في الممارسة التاريخية المبكرة، سمات قريبة من منطق الدولة الريعية في السودان من حيث مركزية الدولة في توزيع الموارد، وضعف التنويع الإنتاجي، وتزايد الطابع التوزيعي في إدارة الاقتصاد والسياسة.
إنّ النتائج الراهنة التي يشهدها السودان من أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد أحداث ظرفية، بل هي حصيلة تراكم تاريخي طويل لاختلالات بنيوية في الدولة والاقتصاد والشرعية السياسية منذ الاستقلال. فمن الناحية الأكاديمية، يتضح أن ضعف التحول المؤسسي، وتشكّل النُخبة والصفوة في إطار مصالح ضيقة، قد أعاق بناء مؤسسات دولة حديثة قادرة على إدارة التنوع الاجتماعي والاقتصادي. كما أن اعتماد الاقتصاد على الطابع الريعي/ التوزيعي، القائم على الموارد الأولية دون تطوير قاعدة إنتاجية متينة، كرّس هشاشة البنية الاقتصادية وأبقى البلاد رهينة للتقلبات الخارجية والداخلية.
وعليه، من الناحية السردية، يمكن القول، إن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في إنتاج واقع سياسي مضطرب، حيث تداخلت الصراعات الحزبية والإيديولوجية مع الأزمات الاقتصادية لتولّد حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني. وهكذا، فإن التدهور الراهن في السودان ليس أزمة آنية، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التراكمات التاريخية التي لم تُعالَج جذريًا، مما يجعل الحاضر امتدادًا مباشرًا لماضي الدولة منذ لحظة الاستقلال.
وبناء عليه، يمكن تلخيص أبرز النتائج التحليلية التي يواجهها السودان اليوم في النقاط الآتية:
(1) على مستوى بنية الدولة، أدّى استمرار منطق الإدارة القائم على توزيع الموارد بدل إنتاجها إلى تآكل تدريجي في القدرة المؤسسية للدولة؛ وهو ما انعكس في ضعف الجهاز الإداري، وتراجع كفاءة الخدمات العامة من صحة وتعليم وبناء بنية تحتية، فضلًا عن صعوبة فرض السياسات بشكل موحّد على الأقاليم المختلفة. هذا الضعف لا يرتبط فقط بندرة الموارد، بل يتصل أساسًا بكيفية إدارة تلك الموارد داخل شبكات سياسية–نخبوية، حيث يصبح القرار العام أقرب إلى عملية تفاوض بين مراكز نفوذ متعددة، بدل أن يكون تعبيرًا عن مؤسسة دولة مركزية مستقرة.
ومن هنا، يمكن قراءة الأزمة الراهنة في السودان، باعتبارها نتاجًا مباشرًا لهذا النمط من الإدارة، الذي حوّل الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ والمصالح، وأضعف قدرتها على بناء مؤسسات حديثة قادرة على تحقيق التنمية والاستقرار. وبذلك، يتضح أن التدهور الاقتصادي والسياسي والأمني، ليس مجرد أزمة ظرفية، بل نتيجة تراكمات تاريخية في بنية الدولة وآليات إدارة مواردها.
(2) على مستوى الشرعية السياسية، أسهم الاعتماد التاريخي على منطق التوزيع لا الإنتاج في تكوين شرعية هشة ومتقلبة، تقوم على الترضيات والتحالفات المؤقتة أكثر مما تقوم على عقد اجتماعي مستقر وراسخ. ومن منظور أكاديمي، يمكن القول، إن هذا النمط من الشرعية جعل الدولة السودانية عاجزة عن ترسيخ مؤسسات سياسية قادرة على الصمود أمام الأزمات، إذ ظلّ استقرارها مرهونًا بوفرة الموارد وإعادة توزيعها بين مراكز النفوذ المختلفة.
وبناء عليه، عند النظر إلى الواقع السوداني بلغة أكثر سردية، يتضح أن أي تراجع في الموارد أو اختلال في توزيعها كان كفيلًا بإحداث اهتزاز سريع في شرعية السلطة، وهو ما يفسّر كثافة الانقلابات العسكرية والتحولات الحادة في بنية الحكم خلال التاريخ السياسي السوداني الحديث. وبذلك، فإن عدم الاستقرار السياسي لم يكن مجرد نتيجة لصراع على السلطة، بل انعكاس مباشر لبنية شرعية قائمة على الترضيات المؤقتة، لا على أسس مؤسسية أو عقد اجتماعي متماسك.
(3) على مستوى الاقتصاد، أدّى غياب التحول الإنتاجي العميق بعد مشروع الجزيرة، وتراجع دوره لاحقًا دون تعويضه بقاعدة إنتاجية متنوعة، إلى تكوين اقتصاد منخفض التنويع وعالي الحساسية للصدمات. ومن منظور أكاديمي، يمكن القول، إن هذا النمط من الاقتصاد جعل السودان عرضة للتقلبات السياسية والمناخية والمرتبطة بالأسواق العالمية، نظرًا لغياب قاعدة إنتاجية متينة قادرة على امتصاص الأزمات.
وبلغة أكثر سردية، فإن الدولة وجدت نفسها في كثير من الأحيان تعتمد على مصادر متقطعة أو خارجية، مثل المعونات والديون والصادرات الخام المحدودة، بدلًا من بناء اقتصاد إنتاجي مستقر ومستدام. هذا الاعتماد على موارد غير مستقرة جعل الاقتصاد السوداني هشًّا، سريع التأثر بالأزمات الداخلية والخارجية، وأضعف قدرة الدولة على تحقيق التنمية المتوازنة أو الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد.
(4) على مستوى الصراع السياسي–المجتمعي، أسهم هذا النمط في إعادة إنتاج الصراع حول الدولة نفسها، بوصفها مصدرًا للموارد أكثر من كونها إطارًا تنظيميًا محايدًا. ومن منظور أكاديمي، يمكن القول، إن هذا الوضع جعل الدولة محورًا للتنافس بين النُخب ومراكز النفوذ، حيث ارتبطت الشرعية السياسية والاقتصادية بقدرة الفاعلين على الوصول إلى موارد الدولة وتوزيعها، لا بقدرتهم على صياغة سياسات تنموية أو برامج اقتصادية مستدامة.
وبلغة أكثر سردية، فإن الصراعات في كثير من مراحل التاريخ السوداني، اتخذت طابع (الصراع على المركز)، أي التنافس على موقع السيطرة على الدولة، باعتبارها مصدرًا للثروة والسلطة، بدل أن تكون ساحة لتطوير سياسات عامة تخدم المجتمع بأسره. هذا المنطق، أعاد إنتاج دور النُخبة الذي أُشير إليه سابقًا، حيث ظلّت الدولة أداة لتقاسم النفوذ أكثر من كونها مؤسسة جامعة، وهو ما يفسّر استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والمجتمعي عبر العقود.
(5) في الوضع الراهن تحديدًا، يمكن ملاحظة أنّ تراكم هذه البنية التاريخية، قد أفضى إلى تجزؤ السلطة وضعف مركزية القرار، بما انعكس في تراجع قدرة الدولة على احتكار العنف المشروع وضبط المجال العام. ومن منظور أكاديمي، يتضح أن هذا التراجع المؤسسي قد أسهم في فتح المجال أمام اتساع نفوذ الفاعلين غير الدولتيين - أي تلك القوى التي تعمل خارج الإطار الرسمي للدولة أو على هامشه، مثل بعض التشكيلات المسلحة، والشبكات الاقتصادية غير الرسمية، والكيانات الأهلية والقبلية، إضافة إلى الفاعلين ذوي النفوذ السياسي غير المؤسسي، بما يتيح لها التأثير في صناعة القرار وتوجيه الموارد العامة - وقد ترتب على ذلك، تداخل الأبعاد العسكرية–السياسية–الاقتصادية في إدارة الشأن العام، حيث لم تعد هذه المجالات منفصلة ضمن أطر مؤسسية واضحة، بل أصبحت متداخلة ضمن شبكة من المصالح والنفوذ غير الرسمي الذي يعيد تشكيل بنية السلطة وتوزيع الموارد خارج الأطر التقليدية للدولة.
وبلغة أكثر سردية، فإن النتيجة المباشرة لهذا التشظي هي ارتفاع تكلفة بناء أي مسار للاستقرار أو إعادة الإعمار، إذ باتت الدولة تواجه شبكة معقدة من القوى المتداخلة والمتنافسة، ما يجعل إعادة تأسيس مؤسساتها أكثر صعوبة ويضاعف من هشاشة المشهد السياسي والاقتصادي والأمني.
والخلاصة من ما سبق، الأثر الراهن في السودان، لا يُعزى إلى عامل واحد منفصل، بل هو نتاج مسار تاريخي طويل من تحول غير مكتمل؛ إذ انتقل الاقتصاد من قاعدة إنتاجية محدودة إلى دولة تُدار بمنطق توزيعي/ شبه ريعي، دون أن يُصاحب ذلك تأسيس مؤسسي صلب يربط الشرعية السياسية بالإنتاج والمساءلة. ومن ثمّ، فإن ما نشهده اليوم من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، هو حصيلة تراكمات بنيوية ممتدة، لا مجرد انعكاس لأزمات ظرفية عابرة.
وفي السياق ذاته، ومنذ بدايات عام 2008م، كشفت التقارير الجنائية السنوية الصادرة عن الشرطة في ولاية القضارف عن مؤشرات إنذار مبكر لمخاطر التعدين الأهلي وآثاره المتعددة على الأمن الإنساني والحيواني والبيئي، وهو ما بدا جليًا في مناطق البطانة ومحليات قلع النحل وحوض نهر الرهد وجبال الفاو. وقد أبرزت هذه التقارير التداخل المتزايد بين النشاط الاستخراجي غير المنظم وتصاعد مستويات الهشاشة الاجتماعية والبيئية في الريف السوداني، بما في ذلك تفاقم النزاعات حول الأرض والموارد البيئية، وهو ما يعكس طبيعة المخاطر البنيوية المصاحبة لانتشار التعدين الأهلي خارج الأطر المؤسسية المنظمة.
وانطلاقًا من هذا المُعطى الميداني المسئول، وبالنظر إلى إشكاليات شرعية الدولة السودانية المعاصرة ومشروعها الوطني الساعي إلى بناء دولة مستقرة ومتقدمة ومتطوره، يتضح أن الوضع الاقتصادي الريعي والهش، وطبيعة توسع تعدين الذهب وما ارتبط به من سياسات منح التراخيص الرسمي والأهلي التقليدي، يشكّل نموذجًا مكثفًا لإعادة إنتاج منطق الدولة الريعية/ التوزيعية، ولكن في سياق أكثر تعقيدًا تتداخل فيه بنى الاقتصاد غير الرسمي مع الفاعلين الأهليين والشركات ومراكز السلطة. ومن هنا، يصبح أن معدن الذهب أحد المفاتيح التفسيرية المركزية لفهم الاقتصاد السياسي السوداني الراهن واستشراف مساراته المستقبلية.
فقد مثّل التوسع في التعدين الأهلي والرسمي، انتقالًا بنيويًا من اقتصاد زراعي شبه أحادي، كان يتمحور تاريخيًا حول القطن في مشروع الجزيرة، إلى اقتصاد يعتمد على مورد ريعي جديد عالي السيولة والتصدير، إلا أن هذا التحول لم يُفضِ إلى انتقال إنتاجي تنموي متكامل، بل أفرز اقتصادًا مزدوجًا يجمع بين قطاع رسمي محدود الفاعلية وقطاع أهلي واسع يعمل خارج أو على هامش الإطار المؤسسي، الأمر الذي أسهم في إعادة إنتاج منطق استخراج الريع بدل بناء سلاسل القيمة الإنتاجية (Production Value Chains)، والتي يُقصد بها التتابع المتكامل للأنشطة التي يمر بها المُنتج أو المورد منذ مرحلة الإنتاج الأولي أو الاستخراج مرورًا بعمليات المعالجة والتصنيع والنقل والتخزين والتسويق، وصولًا إلى المُنتج النهائي ذي القيمة المضافة الأعلى، بما يضمن تحويل الموارد الخام إلى مُنتجات صناعية أو زراعية أو تعدينية متكاملة داخل الاقتصاد، بدل تصديرها في صورتها الأولية الخام، وهو ما يعكس غياب التعميق الإنتاجي وضعف الاندماج الصناعي داخل البنية الاقتصادية الوطنية.
وبالانتقال إلى مستوى الدولة والشرعية، فقد أصبح الذهب مجالًا مركزيًا لإعادة تعريف علاقة الدولة بالموارد، حيث تحولت التراخيص من أداة تنظيم للإنتاج والتوجيه التنموي إلى آلية لإدارة النفوذ وتوزيع الامتيازات الاقتصادية. ولم تعد هذه الآلية محصورة في البنية البيروقراطية التقليدية، بل امتدت إلى سياسات ذات طابع نخبوِي–صفوي استفادت منها فئات محددة من الفاعلين السياسيين والمجتمعيين المرتبطين بجهاز إدارة الدولة، بما في ذلك شبكات داخل الجهاز التنفيذي والإداري، وكذلك بعض مكونات الحركات المسلحة التي اندمجت أو تقاطعت مع بنية السلطة في سياق التسويات السياسية أو الشراكات الانتقالية. 
وقد أسهم هذا النمط في إعادة تشكيل سوق التراخيص بوصفه مجالًا لتقاطع النفوذ السياسي والاقتصادي، أكثر من كونه أداة تنظيم اقتصادي محايدة، وهو ما عمّق منطق الدولة الريعية التي تصبح فيها الشرعية السياسية مرتبطة بقدرة الفاعلين السياسيين وشبكات النفوذ على الوصول إلى الموارد الاقتصادية - الذهب والتراخيص والعوائد العامة - بما يعني أن مصدر الشرعية لا يعود إلى كفاءة الدولة في الإنتاج أو بناء المؤسسات، ل إلى التحكم في آليات تنظيم الوصول إلى المورد، أي ما يُعرف ببوابة الدخول (access) التي تحدد من يُمنح الحق في الوصول إلى الموارد الاقتصادية والتراخيص والعوائد العامة، من جهة، ثم إدارة آليات توزيعها (allocation) بين المجموعات المتحالفة أو الداعمة من جهة أخرى، وهو ما يجعل معيار القوة السياسية غير قائم على القدرة على خلق الثروة أو تنظيم الاقتصاد، بل على السيطرة على تدفقات الموارد وإعادة توزيعها داخل شبكة من المصالح، بما يحوّل السلطة عمليًا إلى وظيفة لتوزيع الريع وإعادة تدويره بين الفاعلين، بدل أن تكون سلطة تنظيم وإنتاج وبناء مؤسسي مستدام.
ومن ثمّ، يبرز البُعد البيئي بوصفه عنصرًا بنيويًا ملازمًا لهذا التحول، إذ أدى توسع التعدين التقليدي، خاصة في المناطق الطرفية الريفية، إلى ضغط بيئي متزايد تمثل في تدهور التُربة وتلوث المياه باستخدام الزئبق والسيانيد، وتغير أنماط استخدام الأرض. وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على مستقبل الزراعة والرعي بوصفهما القاعدة الإنتاجية التاريخية للاقتصاد السوداني، بما خلق تناقضًا هيكليًا بين اقتصاد استخراج سريع العائد واقتصاد زراعي-رعوي طويل الأمد. ويمتد هذا الأثر ليشمل قطاعي الثروة الحيوانية والصمغ العربي، حيث يؤدي تدهور المراعي وتلوث مصادر المياه وتقلص مساحات الحركة الرعوية إلى إضعاف الإنتاج الحيواني ورفع مستويات الهشاشة والنزاع على الموارد، كما ينعكس تدهور الغطاء الشجري في مناطق إنتاج الصمغ العربي (الهشاب والطلح) على استدامة هذا المورد الحيوي، في ظل إعادة توجيه استخدام الأرض لصالح النشاط الاستخراجي قصير الأجل.
ويضاف إلى ذلك، أن توسع الذهب كمورد سهل السيولة، جذب قوة العمل والاستثمار نحو التعدين على حساب الزراعة والرعي، ما أدى إلى إعادة تخصيص غير متوازن لعوامل الإنتاج بعيدًا عن القطاعات التقليدية المُنتِجة، وهو ما يضعف أي استراتيجية لتنويع الاقتصاد ويعزز الميل نحو الاقتصاد الاستخراجي بدل الاقتصاد المُنتج. وفي هذا السياق، تعكس إدارة قطاع الذهب أزمة المشروع الوطني ذاته، إذ تتنازعه سلطات متعددة مركزية وإقليمية ونظامية وأهلية وشركات، ضمن بيئة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي والعسكري، ما يجعل من الصعب إنتاج سياسة تعدين موحدة تُخضع المورد لمنطق التنمية الشاملة. وبدل أن يكون الذهب رافعة لبناء اقتصاد ما بعد ريعي، تحول في كثير من الحالات إلى ساحة تنازع على الريع نفسه.
وخلاصة ذلك، أن الذهب في الحالة السودانية الراهنة لا يمكن قراءته كمجرد مورد اقتصادي، بل كبنية سياسية–اقتصادية–بيئية مركبة، تعيد إنتاج العلاقة بين الريع والسلطة والشرعية والصراع على الدولة، وفي الوقت نفسه تعيد تشكيل التوازن بين القطاعات الإنتاجية التقليدية، وعلى رأسها الزراعة والرعي وإنتاج الصمغ العربي. وإذا استمر هذا النمط دون إصلاح مؤسسي يربط التعدين بسلاسل إنتاج وصناعة محلية، ويضبطه بيئيًا وتنظيميًا، فإن أثره هو تعميق الاختلال البنيوي بين اقتصاد استخراجي قصير الأمد وإمكانات بناء اقتصاد زراعي–صناعي–رعوي مستدام، بما ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل الدولة واستقرارها وتماسك مشروعها الوطني. ونواصل، للحديث بقية:
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
16/ 04/ 2026م 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

⭕ لمتابعة الحدث قبل حدوثه إنضم لشبكة ( قلوكب الاخبارية ) إنضمامك (لقلوكب نيوز) يعني أن تعرف أولاً :
✔️ للدخول في قروب التليجرام ومتابعة جميع الاخبار السياسية و الرياضية و الاقتصادية و التكنلوجية أضغط هنا 
♻️فضلا شارك الخبر ♻️

نموذج الاتصال