السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (4)

 السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (4)

الفريق شرطة حقوقي (م)  د.  الطيب عبد الجليل حسين محمود - المحامي واستشاري القانون. 
(Eltayeb2hussein@gmail.com -  Eltayeb.hussein@yahoo.com)

-----------------------------------
إحالةً إلى المقالات (1–3)، يتبيّن أن الدولة السودانية الحديثة تتسم بطبيعة بنائية مركّبة، نشأت عن تداخل ثلاثة أنماط تأسيسية هي: الدولة العضوية (المعطاة)، والدولة المصطنعة، والدولة المفروضة من الخارج، بما يجعل هذا التداخل مدخلًا تفسيريًا لفهم أزمات الشرعية وبنية السلطة والهوية السياسية منذ الحقبة الاستعمارية وحتى ما بعد الاستقلال. وفي ذات السياق، يُظهر تتبّع المسار التاريخي–القانوني للسودان ارتباطه بصيغة السيادة المشتركة (الكوندومينيوم - Condominium)، بدءًا بالحكم التركي–المصري (1821–1896م)، ثم الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري (1899–1956م)، وهي صيغة استعمارية كرّست بنية إدارية وقانونية ذات طابع شكلي، من دون أن تُفضي إلى تأسيس شرعية اجتماعية مكتملة.
وامتدادًا للمسار التاريخي–السياسي–القانوني للدولة السودانية، أسهمت الاتفاقيات الاستعمارية في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية عبر ترسيم الحدود، وترسيخ مبدأ الاعتراف بالحدود الموروثة(Uti Possidetis Juris). وقد أفضى ذلك إلى واقع إشكالي تمثّل في عدم تطابق الحدود الجغرافية مع الامتدادات الاجتماعية للمجتمعات المحلية، التي انقسمت بفعل تلك الحدود بين دول الجوار. كما تفاقم الوضع الديموغرافي نتيجة الهجرات غير المنظمة خلال فترتي الحكم التركي–المصري والحكم الثنائي الإنجليزي–المصري، مما أدى إلى نشوء تعددية إثنية ذات امتدادات عابرة للحدود، لم تندمج بصورة كاملة ضمن البنية الاجتماعية التاريخية للسودان.
وفي مواجهة هذا الواقع، برزت مطالب النخبة المتعلمة، ممثلة في مؤتمر الخريجين، بضرورة تحديد مفهوم (السوداني) قانونًا، وهو ما استجابت له الإدارة الاستعمارية عبر المجلس الاستشاري لشمال السودان بإصدار قانون تعريف السوداني لسنة 1948م. ويعكس ذلك التفاعل بين الضغوط الوطنية الناشئة والآليات المؤسسية التي وظفها الحكم الاستعماري لإدارة التحول السياسي بصورة مضبوطة، بما يحافظ على توازنات السلطة داخل بنية الكوندومينيوم أكثر من استجابته لتأسيس شرعية اجتماعية مكتملة.
في ذات السياق، تجلّت البنية الاستعمارية الإدارية–القانونية في طبيعة مؤسسات الحكم التي أُنشئت لإدارة السلطة وتوجيه مسارها، وعلى رأسها المجلس الاستشاري لشمال السودان (1948م)، الذي مثّل نموذجًا لمؤسسة صُمّمت لإضفاء طابع شكلي على إشراك النخب الصفوية المحلية، بينما ظل القرار الفعلي محتكرًا بيد الإدارة الاستعمارية. وبذلك، لم يكن المجلس تعبيرًا عن مشاركة شعبية حقيقية أو تأسيسًا لشرعية اجتماعية راسخة، بقدر ما كان أداة لإدارة التوازنات السياسية والاقتصادية بما يخدم بنية الحكم الثنائي البريطاني–المصري ويضمن استمرارية منطقه الإداري والسياسي.
وبذلك، فقد شكّل المجلس الاستشاري وعاءً لإدماج فئات اجتماعية مختارة، تمثّلت في القيادات الأهلية والقبلية، والتجار، وبعض المتعلمين من خريجي كلية غردون التذكارية والمدارس البريطانية، فضلًا عن فئة (الأفندية)؛ وهي شريحة من الموظفين والمتعلمين الذين ارتبطوا بالوظائف الإدارية والبيروقراطية التي أنشأها الاستعمار. وقد تميّزت هذه الفئة بانخراطها في الجهاز الإداري الحديث، وبثقافة متأثرة بالنموذج التعليمي الأوروبي–الغربي، الأمر الذي أفضى إلى نشوء طبقة بيروقراطية جديدة ارتبطت بالمؤسسات الحكومية الناشئة. كما اتسم أفرادها باعتماد الزي الرسمي الأوروبي–الغربي بوصفه تعبيرًا عن انتمائهم الوظيفي والمؤسسي، وتجسيدًا لقيم الحداثة الإدارية التي سعى الاستعمار إلى ترسيخها.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول، أن المجلس الاستشاري لم يكن مجرد آلية للتشاور، بل أداة لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية عبر دمج الفئات التقليدية مع الطبقة البيروقراطية الحديثة، في سياق مشروع استعماري أوسع استهدف بناء جهاز إداري مركزي يربط بين التعليم الغربي والسلطة الاستعمارية، ويعيد توزيع الأدوار داخل المجتمع السوداني بما يخدم ترسيخ نموذج الدولة الحديثة وفق الرؤية الاستعمارية. إلا أنّ هذه البنية، التي أفرزت طبقة (الأفندية) بوصفها وسيطًا بين الإدارة الاستعمارية والمجتمع المحلي، لم تقتصر آثارها على تكريس السيطرة الاستعمارية، بل أسهمت – على نحو غير مباشر – في تهيئة شروط بروز الحركات الوطنية. فقد تحوّل الأفندية من مجرد موظفين بيروقراطيين إلى نخبة مثقفة امتلكت أدوات معرفية وتنظيمية مكّنتها من صياغة خطاب سياسي واجتماعي ناقد للاستعمار، وأسهمت في بلورة الوعي الوطني، وفي قيادة الجمعيات والاتحادات والنقابات التي شكّلت قاعدة للحركة الوطنية السودانية. ومؤدّاه، أنّ من بين هذه النُخب برزت قيادات أسست الأحزاب التقليدية الكبرى مثل الحزب الاتحادي وحزب الأمة، إلى جانب أحزاب مناوئة للاستعمار ذات انتماءات أيديولوجية متباينة، شملت التيارات الاشتراكية، والقومية–العروبية–الناصرية، والشيوعية الراديكالية، فضلًا عن الأحزاب ذات الامتداد الإسلامي التراثي المرتبطة بالبيوت الدينية والطائفية مثل الختمية والأنصار، وكذلك الحركات والأحزاب ذات التوجه الإسلامي السياسي التي سعت إلى إعادة صياغة الدولة والمجتمع وفق مرجعيات أيديولوجية دينية ذات طابع حركي وتنظيمي.
وقد أفضى هذا التعدد في المرجعيات إلى نشوء توتر بنيوي بين الطائفية الدينية، والإسلام السياسي الحركي، والحداثة الأيديولوجية؛ وهو توتر لم يكن مجرد خلاف فكري، بل تعبيرًا عن ميراث الكوندومينيوم الاستعماري الذي أعاد إنتاج صراعات النفوذ والثروة والمال عبر مؤسسات الدولة، في صورة تنافس بين أنماط مختلفة من الشرعية-التقليدية، والأيديولوجية، والدينية-السياسية -دون أن يُحسم في إطار مشروع وطني جامع.
ففي حين وظّفت الأحزاب الطائفية إرثها الديني والاجتماعي لتعزيز سلطتها التقليدية، سعت الأحزاب الأيديولوجية إلى إعادة تعريف الدولة على أسس حديثة، مستندة إلى شعارات العدالة الاجتماعية أو الوحدة القومية أو التغيير الراديكالي، بينما اتجهت أحزاب التيار الإسلامي الحركي إلى طرح مشروع لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أساس مرجعية دينية ذات طابع تنظيمي–حركي، يجمع بين الدعوي والسياسي، ويسعى إلى توظيف مؤسسات الدولة لتحقيق رؤيته الأيديولوجية.
وقد أفرز هذا التعدد وما انطوى عليه من تباين في المرجعيات توترًا بنيويًا مركبًا بين الطائفية التقليدية، والحداثة الأيديولوجية، والإسلام السياسي الحركي؛ وهو توتر لم يقتصر على مستوى التنافس الفكري، بل امتد إلى بنية الدولة ذاتها، حيث أفرز ارتدادات مؤسسية ووظيفية تمثّلت في إعادة تدوير عدم الاستقرار السياسي، وإضعاف الشرعية اللازمة لبناء دستور جامع. ومن ثمّ، يغدو فهم الوضع الراهن في السودان مرتبطًا باستمرار صراعات النخبة حول النفوذ والسلطة والثروة وامتلاك الدولة ومؤسساتها، بوصفه امتدادًا مباشرًا للبنية التي أرساها نظام الكوندومينيوم الاستعماري Condominium، والتي ما زالت تعيد إنتاج نفسها عبر أنماط متعددة من التنافس النخبوي.
وفي هذا السياق، تميّزت النخب الصفوية، وعلى رأسها فئة طبقة (الأفندية)، بانخراطها عبر التعيين الوظيفي في الجهاز الإداري الحديث، وبثقافتها المتأثرة بالنموذج التعليمي الغربي، وهو ما منحها موقعًا مميزًا داخل بنية الحكم، غير أنّ هذا الموقع ظلّ محدود الصلة بالقاعدة الاجتماعية الواسعة، الأمر الذي جعلها أقرب إلى نخبة صفوية ارتبطت مصالحها بتوازنات الكوندومينيوم أكثر من تعبيرها عن إرادة شعبية حقيقية.
وبناءً على ذلك، جرى توظيف المجلس الاستشاري لعام 1948م كأداة لإدارة ارتدادات وتوترات توازنات السلطة والثروة، وتوجيه مسار المشاركة السياسية، دون أن يفضي إلى تمثيل اجتماعي فعّال أو مشاركة وطنية شاملة. وقد انعكس هذا التوظيف بصورة مباشرة على طبيعة التشريع والمساءلة والمحاسبة في تلك المرحلة؛ إذ ظل المجلس الإستشاري محصورًا في دائرة النُخب المعيّنة، بعيدًا عن الرقابة الشعبية وآليات المساءلة المؤسسية، مما جعله أقرب إلى أداة لإضفاء الشرعية الشكلية على قرارات الإدارة الاستعمارية، لا إلى مؤسسة دستورية تمارس اختصاصًا تشريعيًا حقيقيًا أو تضطلع بوظيفة رقابية فعّالة.
وبناء عليه، فقد أسهم النسق البنيوي النخبوي–الاستعماري الموروث من حقبة الكوندومينيوم، بما يتضمنه من تداخل بين النخبة السياسية والإدارية من جهة، ومنطق الاقتصاد الريعي وشبكات المصالح من جهة أخرى، في تكريس نمط من التوافقات النخبوية–الصفوية ذات الطابع الأسري-العائلي والاقتصادي-الريعي، المرتبطة بامتلاك المال والنفوذ، بدلًا من الارتكاز إلى قاعدة تمثيل اجتماعي واسعة. وهنا يُفهم الاقتصاد الريعي في هذا السياق، بوصفه نمطًا من تفاعل النخب السياسية ورجال الأعمال والمال، يقوم على توجيه الموارد العامة والفرص الاقتصادية نحو شبكات محددة من المصالح، تستند إلى القرب من مركز القرار أكثر من اعتمادها على الإنتاج أو الكفاءة أو التنافسية.
وانطلاقًا من هذا النسق، لم تعد الموارد العامة تُدرك بوصفها أدوات للتنمية وبناء القيمة الاقتصادية، بل أصبحت في الوعي والممارسة النخبوية غايةً في حدّ ذاتها؛ أي مجالًا للسيطرة وإعادة التخصيص داخل دوائر النفوذ بما يحقق منافع خاصة سريعة، بدلًا من توظيفها في تحسين معيشة المجتمع وتوسيع قاعدة الإنتاج.
ومع ترسخ هذا المنطق، تحوّلت السلطة ذاتها إلى أداة لإعادة توزيع الريع بين النُخب، من خلال قنوات غير رسمية أو شبه مؤسسية، يتم عبرها منح الامتيازات الاقتصادية—مثل العقود والتراخيص والإعفاءات وفُرص التمويل - لفاعلين مرتبطين بمراكز القرار، بدلًا من خضوعها لقواعد شفافة قائمة على الكفاءة والمنافسة. وقد أدى ذلك إلى تراجع وظيفة الدولة بوصفها إطارًا لتحقيق العدالة في توزيع الموارد، وضمان المساءلة والرقابة على السلطة، ودفع التنمية عبر الاستثمار والإنتاج، لتحل محلها ممارسات تقوم على تبادل المنافع وترسيخ النفوذ داخل شبكات مغلقة من المصالح.
وهكذا، إمتد أثر الكوندومينيوم الاستعماري إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، من خلال إعادة إنتاج منطق التوافقات الصفوية داخل الدولة الوطنية، بما جعلها عرضة للاهتزاز السياسي المستمر، وأضعف التحالفات السياسية، ومنعها من التحول إلى استقرار مؤسسي وأداء وظيفي مستدام يخدم المجتمع. كما أسهم هذا الامتداد التاريخي في ترسيخ أنماط من الممارسة السياسية تقوم على إعادة تدوير مراكز النفوذ داخل دوائر محدودة، وهو ما أعاق نشوء ديناميات سياسية قائمة على التمثيل الواسع والتنافس المؤسسي المنتج.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن عقل النُّخب السودانية المعاصرة، الذي تشكّل في ظل هذا الإرث، ما يزال خاضعًا لمنطق الكوندومينيوم الاستعماري، ويعاني من ضعفٍ في الثقافة السياسية وفق مقتضيات الوظيفة المعيارية للدولة والحكومة، من حيث تحقيق الأمن والسيادة، وإرساء العدالة والمساءلة، وتعزيز التنمية وتقديم الخدمات العامة. ولا يقف هذا الضعف عند حدود الأداء، بل يمتد ليشمل قصورًا في فهم إدراك تصوّر بقاء الدولة ذاته؛ إذ لم يتبلور لدى هذه النخب فهمٌ راسخ لهذا المفهوم بوصفه قدرة الدولة على الاستمرار والاستقرار عبر الزمن، من خلال الحفاظ على تماسك مؤسساتها، واحتكارها المشروع لاستخدام القوة، وفاعلية نظامها القانوني، وقدرتها على إنتاج الشرعية وتلبية احتياجات المجتمع بصورة مستدامة.
ويظهر هذا القصور في ضعف الوعي بوظيفة التشريع بوصفه تعبيرًا عن الإرادة العامة وأداة لبناء الاستقرار المؤسسي، وبالمساءلة باعتبارها آلية لضبط السلطة ومنع انحرافها، وهو ما انعكس لاحقًا على مسار التطور الدستوري في الدولة الوطنية. ونتيجة لذلك، ظلّت ممارسات النخبة أقرب إلى إدارة السلطة كحالة ظرفية مرتبطة بتوازنات النفوذ، لا كعملية مؤسسية تستهدف ضمان بقاء الدولة وتعزيز قدرتها على الاستمرار والقيام بوظائفها على نحو مستقر ومتكامل.
ومن هنا، يتضح أن أزمة الدستور السوداني بعد الاستقلال لم تكن معزولة عن هذا الإرث التاريخي؛ إذ ورثت النُخب السياسية عقلية التوافقات الصفوية، وأعادت إنتاجها داخل مؤسسات الدولة، مما جعل محاولات صياغة دستور جامع عرضة للتجاذبات النخبوية والصراعات حول النفوذ والسلطة والمال. وبذلك، أصبحت عملية بناء الشرعية الدستورية رهينة لتوازنات النُخبة، بدلًا من أن تكون تعبيرًا عن توافق مجتمعي واسع.
وعليه، فإن أزمة الشرعية الدستورية الراهنة تمثّل امتدادًا مباشرًا لغياب التشريع الفعّال والمساءلة الحقيقية في مرحلة المجلس الاستشاري، للاستمرار البنيوي لعقل النخب السودانية في التشكل ضمن ميراث الكوندومينيوم ، دون أن تنجح في تطوير ثقافة سياسية جديدة قادرة على تأسيس دولة حديثة تستجيب لمقتضيات المجتمع وتطلعاته، وتعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس من المشاركة والشرعية وسيادة حكم القانون.
وفي هذا الإطار، يحدّد الفكر السياسي–الدستوري المعاصر الوظيفة المعيارية للدولة والحكومة في ثلاثة مرتكزات مترابطة: تحقيق الأمن والسيادة، وإرساء العدالة والمساءلة، وتعزيز التنمية وتقديم الخدمات العامة، وهي مرتكزات لا تنفصل في جوهرها عن مفهوم بقاء الدولة بوصفه قدرة الكيان السياسي على الاستمرار والاستقرار عبر احتفاظه بتماسك مؤسساته، واحتكاره المشروع لاستخدام القوة، وسيطرته الفعّالة على إقليمه، وقدرته على إنتاج الشرعية وضمان الامتثال للقانون. إلا أنّ هذه المرتكزات لم تتحقق بصورة متكاملة في التجربة السودانية، نتيجة استمرار أنماط السلوك النخبوي الموروث، حيث غلبت التوافقات الصفوية وإدارة المصالح الضيقة على حساب بناء مؤسسات عامة فعّالة، بما أضعف احتكار الدولة للقوة، وقيّد قدرتها على فرض سيادة القانون، وأثّر سلبًا على استمراريتها ووظيفتها بوصفها إطارًا جامعًا للاستقرار والتنمية.
وفي هذا السياق، لا يبدو الإخفاق مجرد خللٍ في الأداء المؤسسي، بل هو انعكاس مباشر لسلبيات بنيوية في سلوك النخبة السياسية ووظائفها، وما يرتبط بذلك من ضعف في الثقافة السياسية السائدة لديها؛ إذ لم تتبلور بصورة كافية مفاهيم الدولة الحديثة بوصفها كيانًا عامًا محايدًا، ولا مفهوم السلطة بوصفها وظيفة خدمية قائمة على المسؤولية والمساءلة، بل ظلّت هذه المفاهيم محكومة بتصورات تقليدية تميل إلى الشخصنة وإدارة النفوذ والتوازنات الضيقة. كما انعكس هذا الضعف الثقافي على تصور التنمية ذاته، حيث لم تُفهم بوصفها عملية اجتماعية شاملة تستهدف توسيع قاعدة الإنتاج، وتعزيز العدالة في توزيع الفرص، وبناء القدرات المؤسسية للمجتمع، بل جرى تقليصها في أحيان كثيرة إلى ترتيبات نخبوية لإدارة الموارد وتوزيع الامتيازات داخل شبكات محدودة من المصالح. ومن ثمّ، أصبح غياب الثقافة السياسية التنموية أحد العوامل الجوهرية التي أعاقت التحول نحو دولة قادرة على أداء وظائفها المعيارية بصورة متكاملة.
وبذلك، لم يقتصر الإخفاق على مستوى الأداء المؤسسي فحسب، بل امتد ليشمل بنية الوعي السياسي للنُخبة، وما ترتب عليه من تعطيل لوظائف الدولة في تحقيق الأمن والعدالة والتنمية، وإضعاف قدرتها على إنتاج تنمية اجتماعية مستدامة قائمة على المشاركة الواسعة والحوكمة الرشيدة.
وقد أفضى هذا الإرث إلى تكريس ممارسة للسلطة ذات طابع احتكاري، تُدار فيها الموارد والقرارات داخل دوائر مغلقة من النفوذ، بما أضعف مفهوم السلطة بوصفها وظيفة عامة قائمة على الخدمة والمسئولية، وأدى إلى تراجع آليات المساءلة والمحاسبة، سواء السياسية أو القانونية، وإلى غياب السلوك السياسي الراشد القائم على احترام القواعد الدستورية وتغليب المصلحة العامة. كما انعكس ذلك في ضعف البناء المؤسسي، وهشاشة نظم الحوكمة، وتراجع الكفاءة في إدارة الموارد العامة وتوجيهها نحو تحقيق التنمية المستدامة.
ومن هنا، يتضح أن سلبيات هذا السلوك النخبوي لم تكن مجرد مظاهر عابرة، بل تحوّلت إلى بنية متجذّرة أعاقت بناء شرعية اجتماعية حقيقية، وأسهمت في إعادة إنتاج أزمة التمثيل السياسي داخل الدولة الوطنية. وتبعًا لذلك، تتجلى الأزمة البنيوية للدولة السودانية في هشاشة الشرعية وضعف التوافق الوطني، بوصفها نتيجة مباشرة لتداخل الأنماط التأسيسية، وتجذّر ممارسات النخبة التي أعادت إنتاج منطق الكوندومينيوم داخل الدولة الوطنية، بما جعل الدولة عاجزة عن تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار السياسي وضرورات التحول المؤسسي.
في ذات السياق المتصل بأزمة عقل النخب والفاعلين السياسيين والمجتمعيين السودانيين، وفي جدلية الأفندية والنُخب الصفوية المرتبطة بإرث الكوندومينيوم الاستعماري Condominium، برز لاحقًا نمط جديد من الفاعلين السياسيين والمجتمعيين يتمثل في فئة المهاجرين والمبتعثين للدراسات العليا الذين استقرّ كثير منهم في دول الابتعاث ولم يعودوا إلى السودان، إلى جانب شريحة من شاغلي السلك الدبلوماسي الذين انتهت مهامهم الرسمية في دول الاعتماد فاختار بعضهم البقاء في الدولة المضيفة، والاندماج في بيئاتها المهنية والاجتماعية. وقد تبلورت هذه الفئة بمختلف مكوناتها بإعتبارها جزءًا من نُخبة عابرة للحدود، تتسم في كثير من الحالات بازدواجية الانتماء وتعدد الجنسية، بوصفها رابطة قانونية–سياسية تعريفية تحدد علاقة الفرد بأكثر من دولة، وما يترتب على ذلك من تعدد في دوائر الولاء والانخراط المؤسسي، حيث تشكّلت رؤاهم وتصوراتهم داخل سياقات سياسية واجتماعية وثقافية مغايرة للسياق السوداني.
وقد أدى هذا المسار إلى إعادة تشكيل الوعي السياسي لدى هذه الفئة؛ إذ تأثرت بدرجات متفاوتة بثقافات الموطن البديل ومؤسساته وقيمه، الأمر الذي انعكس على تصورها لدور الدولة ووظائفها. إلا أنّ هذا الانفتاح على بيئات خارجية، في بعض تجلياته، أفضى إلى نوع من الاغتراب السياسي–الثقافي، تمثل في ضعف الارتباط العضوي بالمشروع الوطني السوداني، وتراجع حضور فكرة التنمية الاجتماعية بوصفها مشروعًا جمعيًا يقوم على إعادة بناء المجتمع، لا مجرد نقل نماذج قوالب جاهزة من سياقات أخرى.
وما زاد الأمر تعقيدًا أنّ هذه النُخب المهاجرة أصبحت عرضة لآليات الاستقطاب السياسي والفكري من القوى الخارجية، بحيث جرى توظيف جزء منها ضمن شبكات تأثير عابرة للحدود، بما يجعلها في بعض الحالات أقرب إلى أدوات تحقيق أهداف مصالح الموطن البديل، أكثر من كونها فاعلين مستقلين في مشروع وطني سوداني. وقد انعكس ذلك في مواقفها وخطاباتها السياسية، التي كثيرًا ما جاءت متأثرة أو متماهية مع أجندات الخارج، أو مستجيبة لتأثيراته المباشرة وغير المباشرة، ضمن آليات الفرض الخارجي في مقاربة الأزمات السياسية التي يشهدها السودان وإدارتها من منظور خارجي، بما يعيد إنتاج أنماط من التدخل غير المباشر في صياغة الخيارات الوطنية، ويُفضي في بعض تجلياته إلى إعادة إحياء منطق الدولة المفروضة من الخارج، لا بوصفها حضورًا مباشرًا للهيمنة، بل عبر تشكيل الوعي السياسي للنُخب وتوجيه مسارات الفعل العام من خارج السياق الوطني، بما يكرّس في النهاية سمات الدولة المصطنعة التي تُعاد صياغتها وفق تصورات خارجية أكثر من كونها تعبيرًا عضويًا عن تطور اجتماعي داخلي.
وهكذا، فإن جزءًا من عقل النخب المهاجرة لم ينجح في التحرر من منطق التأثير الخارجي، بما أسهم في إعادة إنتاج أزمة الشرعية الوطنية، عبر ضعف الارتباط بالقيم العليا المرتبطة بالوطن الأصلي، وإعادة توجيه بعض مسارات الفعل نحو أولويات لا تنسجم بالضرورة مع مقتضيات السياق السوداني. وبذلك، تضاف أزمة النُخب المهاجرة إلى أزمة النُخب الصفوية الداخلية؛ إذ اجتمع عقلان متوازيان في إعادة إنتاج الأزمة السودانية: عقل داخلي أسير لإرث الكوندومينيوم، وعقل خارجي مشدود إلى ثقافات الموطن البديل، وكلاهما فشل في بلورة مشروع دستوري وطني جامع، قادر على إعادة تعريف الدولة بوصفها إطارًا للشرعية والمساءلة والتنمية، وعلى تأسيس توافق اجتماعي مستقر يخرج الدولة من حالة الاهتزاز السياسي المستمر.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول، إن عقل النخب السودانية المعاصرة ما زال أسيرًا لميراث الكوندومينيوم الاستعماري؛ إذ يستبطن منطق التوافقات الضيقة وإدارة النفوذ والمال والثروة داخل مؤسسات الدولة، ويُظهر ضعفًا واضحًا في الثقافة السياسية وفق مقتضيات الوظيفة المعيارية للدولة والحكومة، من حيث تحقيق الأمن والسيادة، وإرساء العدالة والمساءلة، وتعزيز التنمية وتقديم الخدمات العامة. ويُفهم هذا الضعف في إطار الثقافة السياسية بوصفها منظومة من القيم والمعارف والتصورات التي تحكم سلوك الفاعلين السياسيين وتوجّه ممارساتهم، حيث لم تتبلور بعدُ لدى النخبة السودانية ثقافة مؤسسية راسخة تقوم على سيادة حكم القانون، والمسؤولية العامة، والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
كما يتداخل هذا القصور الداخلي مع امتدادٍ آخر لا يقل أثرًا، يتمثل في ميراث الاستلاب الخارجي المفروض من الخارج، حيث تسهم بعض أنماط التأثيرات الفكرية والسياسية العابرة للحدود في إعادة تشكيل أولويات الفعل النخبوي خارج سياقه الوطني، بما يضعف استقلالية القرار السياسي، ويكرّس تبعية معرفية ومعيارية في مقاربة قضايا الدولة. ويؤدي هذا التداخل بين الإرث الاستعماري الداخلي وآليات الاستلاب الخارجي إلى تعميق أزمة الوعي السياسي، وإضعاف القدرة على إنتاج تصور وطني مستقل للدولة ووظائفها، قائم على التوازن بين الخصوصية التاريخية ومتطلبات الحداثة المؤسسية.
وهكذا، فإن الأزمة الراهنة ليست سوى امتداد لتاريخ طويل من إعادة تدوير الصراعات النخبوية، التي حالت دون ترسيخ شرعية دستورية جامعة، وأبقت الدولة السودانية في حالة اهتزاز سياسي دائم، عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية وتنمية المجتمع بصورة مستدامة. كما أن استمرار هذا النمط من التفكير والسلوك السياسي يعكس فجوةً بين متطلبات الدولة الحديثة وممارسات النخبة، وهي فجوة لا يمكن ردمها إلا عبر إعادة بناء الوعي السياسي على أسس معرفية ومؤسسية جديدة.
وهكذا، فإن الأزمة الراهنة ليست سوى امتداد لتاريخ طويل من إعادة تدوير الصراعات النخبوية، التي حالت دون ترسيخ شرعية دستورية جامعة، وأبقت الدولة السودانية في حالة اهتزاز سياسي دائم، عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية وتنمية المجتمع بصورة مستدامة. كما أن استمرار هذا النمط من التفكير والسلوك السياسي يعكس فجوةً بنيوية بين متطلبات الدولة الحديثة وممارسات النخبة، وهي فجوة لا يمكن ردمها إلا عبر إعادة بناء الوعي السياسي على أسس معرفية ومؤسسية جديدة.
وفي هذا السياق، يتعمّق الإشكال بفعل تداخل عامل آخر، يتمثل في إعادة تدوير أنماط الفرض الخارجي عبر بعض النُخب المهاجرة والفاعلين الاجتماعيين والسياسيين العابرين للحدود؛ حيث يسهم هذا النمط في نقل وتكريس تصورات خارجية لإدارة الأزمات السودانية، وإعادة إنتاج مقاربات الحلول من منظور غير وطني، بما يعيد تشكيل القرار السياسي والنقاش العام وفق أولويات ومقاربات مستمدة من الخارج أكثر من كونها نابعة من السياق الداخلي. ويؤدي هذا التفاعل إلى إعادة إنتاج حالة من التبعية غير المباشرة في الوعي السياسي، ويُضعف قدرة الفاعلين المحليين على بلورة حلول ذات جذور وطنية أصيلة، قائمة على فهم مركّب لبنية المجتمع وتاريخه واحتياجاته التنموية.
وعليه، فإن تجاوز أزمة العقل السياسي للنخبة السودانية، في امتداديه الداخلي والمهاجر/ العابر للحدود، بما يشمله من استبطان لإرث الكوندومينيوم من جهة، وإعادة إنتاج أنماط التأثير الخارجي من جهة أخرى، يقتضي إلى جانب الإصلاح الدستوري والمؤسسي، إعادة تشكيل الثقافة السياسية للنخبة، بما يعزز إدراكها لوظيفة الدولة والحكومة في سياق القيم الكلية للمجتمع الوطني المحلي، باعتبارهما إطارًا عامًا لتحقيق الصالح العام، لا مجالًا لإدارة المصالح الخاصة، ولا أداة لتدوير النفوذ أو إعادة إنتاج أنماط التبعية أو الامتداد الخارجي.
كما يتطلب ذلك تطوير آليات فعّالة لبناء القدرات المؤسسية، وتعزيز نظم الحوكمة، وربط ممارسة السلطة بمعايير الشفافية والمساءلة، بما يفضي إلى إعادة توجيه موارد الدولة نحو تحقيق الأمن والاستقرار، وترسيخ العدالة، ودفع عجلة التنمية، وتقديم الخدمات العامة بكفاءة واستدامة.
وبهذا المعنى، فإن التحول المنشود لا يقتصر على معالجة اختلالات الحاضر، بل يستهدف تفكيك البنية الذهنية والممارساتية الموروثة من الكوندومينيوم الاستعماري Condominium، بما يشمله ذلك من أنماط التفكير والسلوك السياسي داخل النخبة الداخلية، وما يتصل به من امتدادات عابرة للحدود تتمثل في الاستقطاب الخارجي لبعض النُخب المهاجرة ومتعددي الجنسية والولاءات، وإعادة إنتاج تأثيراته داخل المجال السياسي الوطني، وإحلال منطق الدولة المؤسسية الحديثة محلّها، بما يمكّن من بناء شرعية اجتماعية راسخة، ويؤسس لانتقال تاريخي من دائرة التوافقات الصفوية الضيقة إلى أفق المشاركة الوطنية الشاملة والتنمية المستدامة.
وعليه، فإن هذا التحول يرتبط جوهريًا بتجاوز أزمة العقل السياسي للنخبة السودانية بامتداديه الداخلي والعابر للحدود؛ بما يشمله من استبطانٍ لميراث الكوندومينيوم الاستعماري داخل البنية السياسية الوطنية، من جهة، وما يقابله من امتدادات تفكير خارجي عابر للحدود لدى بعض النخب المهاجرة ومتعددي الجنسية والولاءات، من جهة أخرى، بما يفضي إلى إعادة إنتاج أنماط التأثير الخارجي في الوعي والممارسة السياسية داخل المجال الوطني. وهو ما يجعل من إعادة بناء الثقافة السياسية شرطًا سابقًا على أي إصلاح دستوري أو مؤسسي منشود للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، يتمثل التحدي الجوهري في ضرورة الانتقال من هذا الإرث المركّب الذي يجمع بين استبطان منطق الكوندومينيوم في السلوك السياسي الداخلي للنخبة، وبين قابلية التأثر بالتصورات والمعايير الخارجية لدى بعض الفاعلين العابرين للحدود، إلى تصور دستوري حديث يعيد تعريف الدولة والحكومة، لا بوصفهما أدوات لتبادل المصالح أو إدارة النفوذ أو إعادة تدوير التبعية الداخلية والخارجية، وإنما باعتبارهما إطارًا جامعًا ووظيفة عامة خدمية للمجتمع. ويعني ذلك التحول من منطق التوافقات النخبوية الضيقة إلى منطق المشاركة المجتمعية الواسعة، ومن إدارة السلطة كامتياز خاص إلى ممارستها كوظيفة عامة خاضعة للمساءلة والمحاسبة.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن يقوم التصور الدستوري الجديد على توسيع قاعدة المشاركة الفعلية، وترسيخ الشرعية الداخلية، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة ووظائفها الجوهرية في تحقيق الأمن والعدالة والتنمية، بما يضمن تكامل الأداء المؤسسي مع مقتضيات الشرعية الاجتماعية. ومن ثمّ، يصبح تجاوز هذا الإرث المركّب ضرورة بنيوية لإرساء نموذج دستوري حديث يقوم على الشفافية والمساءلة وسيادة حكم القانون، ويحدّ في الوقت ذاته من قابلية النظام السياسي السوداني لإعادة إنتاج أنماط التأثير الخارجي عبر النخب الداخلية من جهة، وعبر الامتدادات الفكرية والسياسية العابرة للحدود من جهة أخرى، بما يعزز استقلالية القرار الوطني ويحمي مساراته المؤسسية من التشكل خارج السياق المحلي.
وعليه، انطلاقًا من هذا التشخيص البنيوي المركّب، الذي يربط بين اختلالات البنية المؤسسية من جهة، وأزمة العقل السياسي للنخبة السودانية بامتداديه الداخلي والعابر للحدود من جهة أخرى، وما ترتب عليه من إعادة إنتاج أنماط الاستلاب الداخلي والتأثير الخارجي داخل المجال السياسي الوطني، يتضح أن الخلل لم يعُد مجرد خلل وظيفي في الأداء، بل أصبح خللًا بنيويًا في منطق إدارة السلطة ذاتها. وهذا ما يجعل أي تصور للإصلاح الدستوري مشروطًا بإعادة تأسيس قواعد الشرعية وطبيعة ممارسة السلطة، بحيث يُعاد تعريفها كوظيفة عامة قائمة على خدمة المجتمع لا كامتياز صفوي أو مجال مغلق لتبادل النفوذ.
وبناءً على هذا الاستنتاج التحليلي، وباعتبار أن جوهر أزمة الدولة السودانية في بنيتها السياسية–المؤسسية يتصل ببنية السلطة وآليات إنتاج القرار داخلها، فإن التحول المنشود يستهدف إرساء نموذج دستوري جديد ينفصل جذريًا عن منطق إدارة السلطة بوصفها مجالًا محصورًا داخل دوائر نخبوية ضيقة ودوائر نفوذ مغلقة ذات امتدادين داخلي وخارجي، بما يشمل البنى المحلية لتبادل المصالح داخل النخبة، وما يتصل بها من أنماط التأثير والتوجيه الخارجي في تشكيل القرار الوطني، حيث تُدار فيها عملية اتخاذ القرار بمعزل عن المشاركة المجتمعية الواسعة والرقابة العامة. ويأتي هذا الانفصال كخطوة ضرورية لتقليص قابلية النظام السياسي السوداني للتأثر أو التوجيه عبر أنماط من الاستلاب المعرفي والسياسي القادم من الخارج، والذي كثيرًا ما انعكس على أولويات الفعل العام داخل المجتمع. ومن ثمّ، يتجه هذا التحول نحو بناء شرعية اجتماعية راسخة قادرة على حماية الدولة من الاهتزاز السياسي، وتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وضمان انتقال السلطة من منطق التوازنات النخبوية إلى منطق الحكم المؤسسي، بما يفتح المجال أمام إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس المشاركة الواسعة، والمساءلة الفعّالة، والتنمية المستدامة.
وبمعنى آخر مُوجِز، يتضح من التشخيص المركّب للحالة السودانية، أن أزمة العقل السياسي للنخبة السودانية، بامتداديه الداخلي المرتبط بإرث الكوندومينيوم الاستعماري والعابر للحدود المتأثر بأنماط الاستلاب الخارجي، قد انتقلت من مجرد خلل وظيفي في الأداء إلى اختلال بنيوي في منطق إدارة السلطة ذاته. ومن ثمّ، فإن أي إصلاح حقيقي يظل مشروطًا بإعادة تأسيس قواعد الشرعية وطبيعة ممارسة السلطة، عبر تصور دستوري جديد ينفصل جذريًا عن منطق التوازنات النخبوية وشبكات النفوذ المغلقة، ويقوم على الشفافية والمساءلة وسيادة حكم القانون. وبذلك، يشكّل هذا التحول الإصلاحي المسار الأكثر اتساقًا للخروج من الأزمة البنيوية للدولة السودانية، عبر بناء شرعية اجتماعية راسخة قادرة على حماية الدولة من الاهتزاز السياسي، وتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وضمان انتقال السلطة من منطق الصفوة إلى منطق الحكم المؤسسي القائم على المشاركة الواسعة والوظيفة العامة للدولة.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
13/ 04/ 2026م

إرسال تعليق

أحدث أقدم

⭕ لمتابعة الحدث قبل حدوثه إنضم لشبكة ( قلوكب الاخبارية ) إنضمامك (لقلوكب نيوز) يعني أن تعرف أولاً :
✔️ للدخول في قروب التليجرام ومتابعة جميع الاخبار السياسية و الرياضية و الاقتصادية و التكنلوجية أضغط هنا 
♻️فضلا شارك الخبر ♻️

نموذج الاتصال