السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (8)
الفريق شرطة حقوقي (م) د. الطيب عبد الجليل حسين محمود - المحامي واستشاري القانون.
(Eltayeb2hussein@gmail.com - Eltayeb.hussein@yahoo.com)
-----------------------------------
إحالةً إلى ما سبق من المقالات (1–7)، يتبيّن أن نشأة الدولة السودانية الحديثة وتطوّرها قد تشكّلا داخل سياقٍ تاريخي خاص، ثم تبلورا ضمن بنية دولةٍ مُعطاة ومصطنعة إلى حدٍّ كبير من الخارج، وتمّ ذلك في إطار ترتيباتٍ استعمارية مركّبة (الكوندومينيوم)، قامت على تقاسم السيادة على إقليم السودان (1898م–1956م) بين الحكمين البريطاني والمصري. وقد أفرزت هذه الترتيبات جهازًا إداريًا حديثًا من حيث الشكل، إلا أنه ظلّ موجّهًا أساسًا لخدمة مقتضيات الضبط الاستعماري وإدارة المجال العام.
وفي هذا السياق، لم يكن (المجال) مجرد حيّز جغرافي أو إداري، بل هو المجال العام السياسي–الإداري بوصفه فضاءً لممارسة السلطة وتنظيم المجتمع وإنتاج القرار العام. إلا أن هذا المجال في ظل السياق الاستعماري لم يكن مجالًا سياديًا بالمعنى الحديث، بل كان مجالًا مُدارًا ومُخضَعًا للضبط الخارجي، تُعاد فيه صياغة علاقات الحكم والإدارة بما يخدم مقتضيات السيطرة الاستعمارية، لا بما يعكس الإرادة السياسية للمجتمع المحلي.
وقد تجلّى ذلك في فصلٍ بنيوي بين الإدارة والتمثيل، وفي التعامل مع السكان والأرض بوصفهما موضوعًا للحكم لا فاعلًا سياسيًا، مع تعطيلٍ ممنهج لآليات المساءلة الداخلية وتقييدٍ لإمكانات تشكّل السيادة الوطنية. وبذلك، تحوّل دور الدولة إلى وظيفةٍ تنظيمية–إدارية تهدف إلى ضبط المجال وإدارته، لا إلى تجسيد سيادة سياسية نابعة من الداخل، الأمر الذي أسّس مبكرًا لانفصالٍ بنيوي بين الجهاز المؤسسي من جهة، والمجتمع بوصفه مصدر الشرعية من جهة أخرى.
وقد انعكس هذا النمط في ترسيم حدودٍ جغرافية لم تُراعِ الامتدادات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية، كما أسهم في إنتاج علاقةٍ مفصولة نسبيًا بين الدولة والمجتمع، يغلب عليها الطابع الفوقي والإداري بدل التفاعل العضوي القائم على الشرعية والمشاركة.
وفي هذا السياق، تشكّلت فئة الأفندية بوصفها النواة الأولى للنُخبة الحديثة، حيث اضطلعت بدور الوسيط البيروقراطي بين الدولة والمجتمع داخل الجهاز الإداري الاستعماري. إلا أن هذا الدور لم يكن قائمًا على تمثيل اجتماعي حقيقي، بقدر ما كان وظيفةً إدارية مرتبطة بمنطق السيطرة والتنظيم الاستعماري. وبعد الاستقلال، انتقلت هذه الفئة إلى موقع القيادة السياسية دون أن تُنجز تحوّلًا نوعيًا في طبيعة دورها، فاستمرّت في إدارة الدولة بذات العقل البيروقراطي الوسيط بين الدولة والمجتمع داخل الجهاز الإداري للحكومة، لا كفاعلٍ مؤسس لرؤية وطنية متكاملة أو مشروع مؤسسي راسخ.
ومن ثمّ، فإن أزمة الدولة السودانية لا يمكن فهمها بوصفها مجرد اختلال مؤسسي عابر، بل باعتبارها تعبيرًا عن خللٍ بنيوي في تكوين النُخبة (Elite) والصفوة الحاكمة (Ruling Elite)، اللتين ظلّتا الفاعل الرئيسي في إنتاج السلطة وإعادة إنتاجها. ولا يُقصد بإعادة الإنتاج هنا استمرار الأشخاص، بقدر ما يُقصد به استمرار الأنماط الذهنية والمؤسسية ذاتها، القائمة على إدارة التوازنات والتوافقات النخبوية-الصفوية الضيقة، بدل بناء مؤسسات مستقلة قادرة على تنظيم السلطة وتداولها.
وفي هذا الإطار، لم تنجح النُخبة الحاكمة في التموقع داخل أيٍّ من التصورين المرجعيين للدولة والسلطة بصورة مكتملة؛ فهي من جهة لم تطوّر مؤسسات حديثة قائمة على التمثيل والمساءلة وفق التصور الغربي– الأوروبي للدولة الحديثة، حيث تُبنى الشرعية على العلاقة العضوية بين الضرائب والتمثيل، ومن جهة أخرى لم تلتزم بالبنية القيمية للتصور الإسلامي للسلطة، الذي يؤسّس الحكم على المسئولية العامة والعدالة ضمن إطار الشورى.
في التجربة السودانية، يتجلّى مفهوم Political Representation and Accountability بوصفه إطارًا دستوريًا لم يكتمل استقراره عبر حِقب المراحل التاريخية المختلفة للدولة السودانية، إذ لم يتحقق التلازم العضوي بين التمثيل والمساءلة الذي تقوم عليه الدولة الدستورية الحديثة.
فعلى مستوى التمثيل السياسي (Political Representation)، اتخذت التجربة السودانية أشكالًا متعددة، تراوحت بين التمثيل الانتخابي في فترات مدنية محدودة، وبين التمثيل غير الانتخابي القائم على التعيين أو التوافقات والتوازنات والتحالفات السياسية في الفترات الانتقالية. غير أن هذا التمثيل ظل في كثير من الحالات تمثيلًا شكليًا أو نخبويًا/ صفويًا، يعكس موازين القوة داخل النُخبة السياسية أكثر مما يعكس الإرادة الاجتماعية الواسعة، الأمر الذي حدّ من قدرة هذا التمثيل - بصيغتيه الانتخابية والتعيينية - على تحويل المجتمع إلى مصدر فعلي ومستقر للشرعية السياسية.
أما على مستوى المساءلة (Accountability)، فقد ظلّت آلياتها ضعيفة وغير مستقرة في أبعادها البرلمانية والقضائية والمجتمعية، حيث خضعت مؤسسات الرقابة في كثير من الأحيان لذات التوازنات السياسية التي تنتج السلطة وتعيد توزيعها. وقد أدى ذلك إلى انفصال وظيفي بين المساءلة ومقاصدها الجوهرية كأداة لضبط السلطة ومحاسبتها، بحيث أصبحت المساءلة تُفعّل بصورة انتقائية وموسمية، وتُستخدم أحيانًا كأداة في الصراع بين مراكز القوى داخل النُخبة، بدل أن تكون آلية مؤسسية مستقرة.
ويتجلى ذلك في عدد من الممارسات السياسية التي تعكس سلوك النُخبة والصفوة الحاكمة، حيث جرى توظيف المؤسسات أو تعطيلها وفق منطق المصلحة والتوازنات والتوافقات لا وفق منطق الدستور. ومن ذلك مثال حلّ الحزب الشيوعي السوداني وطرده من البرلمان عام 1966م، بما يعكس تغليب الاعتبارات السياسية على قواعد التمثيل البرلماني، وكذلك تعطيل أو تقييد عمل المحكمة الدستورية في فترات لاحقة، خصوصًا بعد 2019م، بما أضعف استقلالية المساءلة القضائية. كما برز نمط آخر يتمثل في تمركز السيطرة على الموارد الاقتصادية الاستراتيجية، مثل قطاع الذهب، داخل شبكات نخبوية–صفوية تعمل خارج الأطر المؤسسية الشفافة، إضافة إلى قيام بعض الفاعلين بالتمثيل الخارجي للدولة في المحافل الدولية بصورة فردية أو موازية دون تفويض مؤسسي واضح من الحكومة، بما يعكس انفصالًا بين السلطة الفعلية والتمثيل الرسمي للدولة.
وبذلك، يتضح أن الإشكال في التجربة السودانية لا يكمن فقط في ضعف التمثيل أو المساءلة، بل في توظيف النُخبة والصفوة لكليهما بصورة انتقائية؛ حيث يُفعَّل التمثيل حين يخدم موازين القوى داخل مراكز النفوذ، وتُعطَّل المساءلة حين تمس مصالحها المباشرة. ويؤدي هذا النمط إلى إعادة إنتاج دولة تُدار بمنطق التوازنات النخبوية والصفوية، لا بمنطق الدستور والمؤسسية والرقابة الفاعلة، بما يفرغ مفهومي التمثيل والمساءلة من مضمونهما الدستوري ويحوّلهما إلى أدوات في إدارة الصراع داخل بنية السلطة بدل كونهما آليتين لضبطها.
ومن ثمّ، يتضح أن الإشكال البنيوي في النموذج السوداني لا يكمن في غياب أحد العنصرين – التمثيل والمسألة، بل في انفصال التمثيل عن المساءلة؛ حيث يوجد تمثيل ضعيف الفاعلية أو محكوم بالصفوية دون مساءلة حقيقية، وتوجد مساءلة محدودة الأثر دون قاعدة تمثيلية واسعة وشرعية مستقرة. وقد أسهم هذا الانفصال في إعادة إنتاج دولة تُدار بمنطق التوازنات والتوافقات بين النُخب والصفوة، لا بمنطق التفويض الشعبي والرقابة المؤسسية.
وبذلك يتضح أن الإشكال في التجربة السودانية لا يكمن فقط في ضعف التمثيل أو المساءلة، بل في توظيف النُخبة والصفوة لكليهما بصورة انتقائية؛ حيث يُفعّل التمثيل حين يخدم موازين القوى لمراكز النفوذ السياسي، وتُعطّل المساءلة حين تمس مصالح مراكز النفوذ، وهو ما أسهم في إعادة إنتاج دولة تُدار بمنطق التوازنات والتوافقات النخبوية لا بمنطق الدستور والمؤسسية والرقابة الفاعلة.
وفي ضوء هذا النمط، يمكن فهم التجربة السودانية بوصفها حالةً متذبذبة بين صورتين غير مكتملتين من العلاقة بين التمثيل والمساءلة: حالة تمثيلٍ دون مساءلةٍ فعّالة (Representation without effective Accountability) في بعض المراحل، حيث يُمارَس التمثيل السياسي دون وجود آليات رقابية ومحاسبية حقيقية تضمن ضبط السلطة، وحالة مساءلةٍ دون تمثيلٍ مستقر (Accountability without stable Representation) في مراحل أخرى، حيث تُفعَّل أدوات المساءلة بصورة جزئية أو انتقائية دون قاعدة تمثيلية راسخة وشرعية سياسية واسعة. ويؤدي هذا الاختلال المتبادل إلى تكريس أزمة الشرعية السياسية واستمرار إعادة إنتاجها بصورة غير مستقرة عبر الزمن. ويؤدي هذا التذبذب البنيوي إلى تكريس عدم استقرار الشرعية السياسية، وإبقاء الدولة في حالة إعادة إنتاج مستمرة لأزماتها البنيوية، بدل الانتقال إلى نموذج دستوري مستقر يقوم على التلازم العضوي بين التمثيل والمساءلة باعتبارهما ركيزتين متكاملتين لبناء الشرعية الديمقراطية واستقرار الحكم.
وفي المقابل، أعادت النُخبة إنتاج نمطٍ هجين يقوم على تمركز القرار داخل الصفوة الحاكمة (Ruling Upper Elite)، بوصفها الدائرة الأضيق والأكثر احتكارًا لصناعة القرار السياسي وتوجيهه، مقابل النُخبة الأوسع التي تمارس أدوار التأثير والمساندة دون امتلاك القرار النهائي.
وفي هذا السياق، لم يعد التحكم في الدولة قائمًا على الفعل الإنتاجي أو التفويض المؤسسي، بل على السيطرة على مداخل الموارد العامة ومخارجها داخل بنية الدولة؛ أي عبر التحكم في بوابات النفاذ إلى الموارد العامة (Access to Public Resources)، بما يعني تحديد من يُسمح له بالوصول إلى موارد الدولة ومراكز نفوذها، ثم إدارة عمليات توزيع وتخصيص هذه الموارد (Allocation of Resources) داخل شبكات ضيقة من الولاءات المرتبطة بالصفوة الحاكمة. وبذلك، تتحول الدولة من إطارٍ مؤسسي عام إلى آلية انتقائية لإعادة توزيع الموارد تُدار داخل حلقة مغلقة من النفوذ بدل أن تخضع لمنطق التمثيل والمساءلة.
ويتقاطع هذا النمط التحكّمي في إدارة الموارد مع بنية الدولة الريعية، حيث تعتمد السلطة على موارد لا تستند إلى قاعدة إنتاجية مستدامة، مما يضعف الحاجة إلى فرض الضرائب، ويؤدي تبعًا لذلك إلى تآكل العلاقة البنيوية بين التمثيل والمساءلة. وفي ظل هذا الوضع، تتحول الدولة إلى مجال لإعادة توزيع الريع، وتصبح مؤسساتها - بما فيها المؤسسات التشريعية - أدوات لإدارة النفوذ وتوازنات القوى، لا فضاءات مستقلة لضبط السلطة ومحاسبتها. ويترتب على ذلك، أن الصراع السياسي لا يعود صراعًا حول البرامج أو السياسات العامة، بل يتحول إلى تنازع على السيطرة على الدولة بوصفها مصدرًا للموارد والامتيازات، لا بوصفها إطارًا مؤسسيًا لتنظيم التنمية وإنتاج القيمة العامة.
وفي ضوء ما سبق، يمكن بناء إطارٍ تفسيري أكثر تركيبًا للحالة السودانية يربط بين بنية الدولة الريعية، واختلال العلاقة بين التمثيل والمساءلة، وطبيعة تشكّل النُخبة والصفوة. إذ تتجلى الدولة السودانية تاريخيًا بوصفها نموذجًا لـدولة ريعية ذات قاعدة إنتاجية محدودة وغير متوازنة، تعتمد بدرجات متفاوتة على موارد لا تتولد عن نشاط إنتاجي مستدام، بل عن عوائد الريع والجباية غير المباشرة والموارد الأولية. وقد انعكس هذا البناء على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث لم تتأسس علاقة ضريبية – تمثيلية مستقرة (Taxation–Representation Link)، تُربط فيها الجباية بالتفويض والمساءلة، بل بقيت علاقة مختلّة يغلب عليها الطابع الجبائي غير المتكافئ.
وفي هذا السياق، ومن زاوية تحليلية أخرى، تعتمد الدولة السودانية المعاصرة بدرجة ملحوظة على الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية المرتفعة بوصفها أحد أهم مصادر التمويل، الأمر الذي جعل العبء الضريبي يميل إلى الفاعلين الاقتصاديين في القطاع الحُر والإنتاجي غير المرتبط بمراكز النفوذ النخبوية والصفوية، في حين احتفظت هذه المراكز – مراكز النفوذ النخبوية والصفوية - بقدرة أكبر على إعادة توزيع الأعباء أو تقليصها عبر شبكات النفوذ داخل الدولة. وبهذا المعنى، لم تُستخدم الجباية كأداة لتعزيز التمثيل والمساءلة، بل كآلية لتمويل جهاز دولة يُعاد توجيه موارده داخل دوائر ضيقة من السلطة.
وتوصيفًا لحالة اعتماد الدولة على الضرائب والجبايات والرسوم دون قيام تمثيل ضريبي فعّال داخل بنيتها المؤسسية، يندرج هذا النمط ضمن نموذج الدولة الريعية – الزبائنية (Rentier-Patrimonial State Model)، حيث تتداخل البنية الريعية مع منطق الزبائنية السياسية. والمقصود بالزبائنية السياسية (Political Clientelism) هو نمط من العلاقات غير المؤسسية تقوم فيه السلطة بتوزيع الموارد العامة والمنافع والخدمات على أساس الولاء السياسي والشبكات الشخصية، بدلًا من قواعد الاستحقاق العام والمساواة أمام القانون. وبهذا تتحول الموارد العامة إلى أداة لإعادة إنتاج الولاءات وتثبيت موازين النفوذ، بدلًا من أن تكون أساسًا لبناء عقد اجتماعي قائم على الضرائب والتمثيل والمساءلة.
وفي إطار هذا النموذج، لا يتوزع العبء الضريبي بصورة متكافئة، بل يميل إلى المكلفين والأنشطة الاقتصادية في القطاع الإنتاجي والخاص غير المرتبط بدوائر النفوذ السياسي، بما في ذلك الفاعلين الاقتصاديين خارج شبكات الحماية والامتياز المؤسسي، في حين تتمكن النُخب والصفوة المرتبطة بمراكز القرار من إعادة توزيع العبء الضريبي أو تقليصه لمصلحتها عبر الإعفاءات أو الامتيازات التنظيمية أو النفاذ غير المتكافئ إلى القرار المالي والضريبي داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الإعفاء الكلي أو الجزئي من الضريبة، أو تخفيضها عبر هوامش تقديرية أو صورية لا تعكس بالضرورة معيارًا ضريبيًا موحدًا، بما يعكس نمطًا تركيبيًا تتداخل فيه البنية الضريبية مع علاقات النفوذ السياسي والاقتصادي، بدل أن تقوم على مبدأ المساواة الضريبية والحياد المؤسسي.
وفي هذه الحالة، تتآكل تدريجيًا العلاقة البنيوية بين التمثيل السياسي (Political Representation) والمساءلة (Accountability)، إذ لا يعود الالتزام الضريبي أو الإسهام الاقتصادي مرتبطًا بتوسيع المشاركة السياسية أو تعزيز الرقابة المؤسسية، بل ينفصل عنها، بما يُضعف منطق (الدفع مقابل التمثيل) ويحدّ من فعالية المساءلة بوصفها آلية لضبط السلطة ومراقبتها.
وفي المحصلة، يعكس هذا النمط اختلالًا بنيويًا في وظيفة الدولة، حيث تتحول الجباية من أداة لتمويل عقد اجتماعي قائم على التمثيل والمساءلة إلى أداة لإعادة إنتاج التوازنات داخل بنية السلطة، بما يعمّق الطابع الريعي–الزبائني للدولة ويُضعف الأساس المؤسسي للشرعية السياسية، وفق ما ينسجم مع التحليل الفيبري لماكس فيبر للنمط البطريركي، والإطار المؤسسي عند نورث دوغلاس حول ضعف القيود الرسمية وسيادة القواعد غير الرسمية.
وفي إطارٍ نظري مقارن، يمكن توظيف تلاقي مقاربات الفكر السياسي الغربي الكلاسيكي والمعاصر مع التراث السياسي الإسلامي بوصفه مدخلًا تفسيريًا متعدد المستويات لفهم بنية الدولة واختلالها. ففي المقاربة الغربية، يقدم ماكس فيبر (Max Weber) المفكر الألماني 1864م - 1920م، صورًا بنيويًا للدولة الحديثة، يقوم على تحليل أنماط السلطة (التقليدية، الكاريزمية، والعقلانية القانونية)، مع إبراز الدولة بوصفها احتكارًا مشروعًا لاستخدام العنف، وما يرتبط بذلك من تطور البيروقراطية كجهاز عقلاني لإدارة المجال العام. كما يقدّم دوغلاس نورث (Douglass C. North) الاقتصادي المؤسسي الأمريكي 1920م – 2015م، إطارًا مؤسسيًا يركز على دور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في توجيه أنماط سلوك النُخب والفاعلين السياسيين والاقتصاديين داخل البنية المؤسسية، موضحًا كيف تؤدي القيود غير الرسمية إلى إضعاف فعالية إنفاذ القيود المؤسسية الرسمية، بما يشمل القوانين واللوائح والأعراف الحاكمة للسلوك السياسي والاقتصادي، الأمر الذي يفضي إلى إعادة إنتاج أنماط ريعية وشبكات نفوذ تعمل خارج منطق الدولة المؤسسية.
أما في التراث السياسي الإسلامي، فتقدّم أعمال الماوردي (ت 450هـ) في الأحكام السلطانية تصورًا للدولة قائمًا على الإمامة بوصفها وظيفة شرعية تهدف إلى ضبط المجال العام وتحقيق النظام، مع تحديد شروط الحاكم ووظائف السلطة بما يضمن انتظام الدولة واستقرارها.
في حين يقدم ابن خلدون (ت 808هـ) في المقدمة تحليلًا ديناميكيًا لتطور الدول وسقوطها عبر مفهوم العصبية، مع ربط مباشر بين الجباية واتساع نطاق الدولة من جهة، وبين مظاهر الترف وتآكل العمران وظهور الفساد السياسي من جهة أخرى. ويقصد ابن خلدون بالعصبية رابطة التضامن الاجتماعي والسياسي القائمة على الانتماء المشترك أو ما في حكمه من الولاءات والتحالفات، وهي قوة اجتماعية منتجة للسلطة تمثل المحرك الأساسي لقيام الدولة وتمكينها واستمرارها، قبل أن تتعرض تدريجيًا للتآكل مع اتساع الترف وضعف التماسك الجماعي وانحسار الروابط الجامعة.
كما يطرح الفارابي (ت 339هـ) في آراء أهل المدينة الفاضلة تصورًا معياريًا للدولة يقوم على القيادة الفاضلة، حيث تُقاس شرعية الحكم بمدى اقترابه من تحقيق المنفعة والخير العام، وبقدر ما يحققه من انسجام بين النظام السياسي والقيم الأخلاقية التي تنظّم المجتمع.
وانطلاقًا من هذا التعدد المرجعي، يمكن قراءة الحالة السودانية بوصفها تقاطعًا مركبًا بين اختلال البنية المؤسسية (وفق فيبر ونورث)، والديناميات الريعية–العصبوية في تشكل السلطة وتداولها (وفق ابن خلدون)، وضعف الأساس القيمي والمعياري للحكم بوصفه مسئولية وعدالة (وفق الماوردي والفارابي). ومن ثمّ، فإن أزمة الدولة السودانية لا تُختزل في قصور إداري أو خلل سياسي وظيفي، بل تتجسد في إشكال بنيوي مركّب يمس طبيعة الشرعية ذاتها، ويؤثر في آليات التمثيل والمساءلة، ويعيد إنتاج أنماط تشكل النُخبة والصفوة داخل الدولة بصورة مستمرة.
وبالربط مع تحليل النُخبة والصفوة، فإن هذا البناء الريعي أسهم في ترسيخ نمط من الصفوة الحاكمة (Ruling Upper Elite) التي تتمركز داخل الدولة وتتحكم في بوابات النفاذ إلى الموارد (Access to Public Resources)، ثم تدير عمليات توزيعها (Allocation of Resources) داخل شبكات ضيقة من الولاءات، بما يجعل الدولة أقرب إلى جهاز لإعادة توزيع الريع منه إلى إطار دستوري لإنتاج السياسات العامة والتنمية.
ومن ثمّ، يمكن إدماج هذا التحليل في الفهم الكلي للتجربة السودانية، باعتبارها حالة متداخلة من: دولة ريعية غير مكتملة المؤسسية، وتمثيل سياسي غير مستقر، ومساءلة ضعيفة أو انتقائية، ونخبة/ صفوة تعيد إنتاج السلطة عبر التحكم في الموارد لا عبر التفويض المؤسسي. وهو ما يفسّر تحوّل الصراع السياسي من صراع حول البرامج والتنمية إلى صراع حول السيطرة على الدولة بوصفها مصدرًا للريع والموارد والامتيازات، لا بوصفها إطارًا دستوريًا لتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.
وعلاوة على ما تقدم، فقد تعمّق الاختلال البنيوي في بنية الدولة وأزمة الشرعية السياسية مع بروز نُخب مهاجرة عابرة للحدود، تأثرت بسياقات مؤسسية وثقافية خارجية، وأسهمت - في بعض الحالات - في إعادة إنتاج منطق (الدولة المفروضة من الخارج)، لا عبر الهيمنة المباشرة، بل من خلال التأثير في الوعي السياسي وصياغة التصورات الدستورية وفق نماذج غير متجذّرة في الواقع المحلي. وفي هذا السياق، يتقاطع إرث داخلي استعماري يعيد إنتاج نفسه داخل بنية النُخبة والصفوة الحاكمة مع تأثير خارجي معاصر يعيد توجيه الفعل النخبوي، بما يفضي إلى إعادة تشكيل أنماط التفكير السياسي خارج مقتضيات السياق الوطني.
وعليه، فإن سلوك النخبة والصفوة - سواء داخل الدولة أو في امتداداتها العابرة للحدود - لا يُسهم في بناء مشروع وطني مؤسسي جامع بقدر ما يعيد إنتاج التوازنات ذاتها التي تحكمت تاريخيًا في المجال السياسي، الأمر الذي يكرّس منطق إدارة الدولة عبر التوافقات الضيقة بدل تأسيسها على قواعد الشرعية الدستورية والمساءلة والتمثيل. ويترتب على ذلك تعميق أزمة الشرعية، وإدامة الاختلال البنيوي للدولة، وتعثر تشكّل مشروعها الوطني بوصفه إطارًا مؤسسيًا جامعًا ومستقرًا.
وبناءً على ذلك، فإن تفكيك (عقل النُخبة والصفوة) في السودان، لا ينصرف إلى نقد الفاعلين السياسيين -الاجتماعيين بقدر ما يتجه إلى تحليل البنية الذهنية التي تحكم سلوكهم، والتي تقوم على إدارة التوازنات بدل بناء المؤسسات، والتحكم في الموارد بدل إنتاجها، والتوافقات الضيقة بدل التمثيل العام. ولا يمكن تجاوز هذا النمط إلا عبر إعادة تعريف دور النُخبة ضمن إطار مركّب يجمع بين ترسيخ البُعد المؤسسي القائم على التمثيل والمساءلة، وتعزيز البُعد الاقتصادي المرتبط بالانتقال من الريع إلى الإنتاج، وتكريس البُعد القيمي المؤسس على المسئولية العامة والعدالة. ومن شأن هذا التحول، أن يفتح المجال لتجاوز النمط الصفوي المُغلق نحو نُخبة وظيفية تضطلع بدورها داخل منظومة دستورية متماسكة، قوامها الشرعية والمساءلة والتنمية، بما يعيد تأسيس العلاقة العضوية بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر استقرارًا وفاعلية. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
24/ 04/ 2026م
التصنيف :
الرأي

