السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (9)
الفريق شرطة حقوقي (م) د. الطيب عبد الجليل حسين محمود - المحامي واستشاري القانون.
(Eltayeb2hussein@gmail.com - Eltayeb.hussein@yahoo.com)
-----------------------------------
من سلسلة المقالات (1–8)، يتضح أن أزمة الدولة السودانية ترتبط، في جوهرها، بطبيعة تكوين النُخبة والصفوة الحاكمة المسيطرة على جهاز إدارة الدولة، وبالمنطق الذي حكم سلوكها السياسي منذ نشأة الدولة السودانية المعاصرة عام 1956م. فقد تشكّلت هذه النُخبة في سياق استعماري أنتج جهازًا إداريًا حديثًا سابقًا على اكتمال المجتمع السياسي الوطني، الأمر الذي جعلها تميل إلى إدارة الدولة بوصفها جهازًا للضبط الإداري والتنظيمي، وحفظ النظام العام، والتحكم في تدفقات الموارد العامة وتخصيصها وإعادة توزيعها بين الفاعلين السياسيين-الاجتماعيين والمجموعات المختلفة، أكثر من كونها إطارًا دستوريًا يهدف إلى تجسيد الإرادة العامة، وتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتأسيس الشرعية السياسية على المشاركة والتمثيل والمساءلة.
وفي السياق، المقصود بوظيفة (الضبط الاداري والتنظيمي) هنا، هو الدور التنظيمي والرقابي للدولة، بما يشمله من حفظ الأمن، وإنفاذ القوانين، وإدارة المجال العام، ومراقبة المجتمع وتوجيهه عبر الجهاز الإداري والأمني. أما (التوزيع)، فيشير إلى التحكم في تخصيص الموارد العامة والوظائف والامتيازات والعوائد الاقتصادية، وتحديد من يُسمح له بالنفاذ إليها، وكيفية إعادة توزيعها داخل المجتمع أو بين شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي. وبهذا المعنى، انصرف اهتمام النُخبة والصفوة، في كثير من المراحل، إلى السيطرة على أدوات السلطة وآليات تخصيص الموارد، أكثر من انصرافه إلى بناء مؤسسات دستورية مستقلة تُنتج الشرعية وتضمن المشاركة العامة، وهو ما أسهم مبكرًا في تكوين العلاقة الإشكالية بين الدولة والمجتمع في التجربة السودانية.
وانطلاقًا من هذا التكوين التاريخي، لم تضطلع النُخبة بالدور التأسيسي المنتظر في بناء مشروع وطني جامع، بل أعادت إنتاج الأنماط الذهنية والمؤسسية الموروثة من الحِقبة الاستعمارية، سواء في رؤيتها للدولة أو في أساليب ممارستها للسلطة. ولذلك، غلب على سلوكها منطق إدارة التوازنات والتوافقات الصفوية الضيقة، بدلًا من ترسيخ قواعد المؤسسية وسيادة القانون، كما تقدّم الولاء للشبكات والمصالح الخاصة على الولاء للدستور والمصلحة العامة. ونتيجة لذلك، تحوّلت الدولة السودانية من وعاء جامع لتنظيم السلطة وتحقيق التنمية وتجسيد المشروع الوطني، إلى ساحة للتنافس على السيطرة على الموارد العامة ومراكز النفوذ القراري – أي مراكز صنع القرار واحتكاره وتوجيهه – وإلى مجال لإعادة توزيع القوة والامتيازات داخل دوائر النُخبة والصفوة، أكثر من كونها إطارًا مؤسسيًا لتحقيق المصلحة العامة وبناء الشرعية الوطنية.
وفي هذا السياق، اتسم سلوك الصفوة-النخبوية الحاكمة بالتحكم في بوابات النفاذ إلى الموارد العامة، ثم إعادة توزيعها داخل شبكات الولاء السياسي والاقتصادي، بما عزّز الطابع الريعي–الزبائني للدولة؛ أي ذلك النمط الذي تقوم فيه البنية السياسية على توظيف الموارد العامة بوصفها ريعًا قابلًا للتوزيع السياسي، لا كنتاج لنشاط إنتاجي مستدام يخضع لقواعد الحوكمة الرشيدة. ووفق هذا النموذج، تُستخدم الموارد العامة كأداة لإعادة إنتاج الولاءات وتثبيت موازين القوى داخل بنية السلطة عبر ربط الامتيازات والمنافع والمواقع العامة بمراكز النفوذ القراري، لا بمعايير الاستحقاق والكفاءة والمساواة أمام القانون.
ومن منظور دستوري، يترتب على هذا النمط الريعي– الزبائني للدولة إعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والموارد العامة، حيث تفقد الموارد وظيفتها كأداة لتحقيق الصالح العام، وتتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج موازين النفوذ داخل الدولة. وبذلك، يتآكل مبدأ حياد المؤسسات، ويُقوَّض مبدأ تكافؤ الفُرص والمساواة أمام القانون، كما تنفصل إدارة المال العام عن مقتضيات الشفافية والمساءلة، بما يُفرغ مبدأ المسئولية السياسية من مضمونه الفعلي. ونتيجة لذلك، ظل التمثيل السياسي تمثيلًا نخبويًا-صفوياً محدودًا، بينما بقيت المساءلة انتقائية موسمية، تُفعَّل أو تُعطَّل وفق مقتضيات موازين القوى داخل بنية السلطة.
وهكذا، تحرّك فعل النُخبة والصفوة السودانية، في كثير من تجلياته السياسية، عكس تيار الشرعية الدستورية والمشروع الوطني؛ إذ لم يتجه نحو بناء دولة دستورية حديثة تقوم على سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والتلازم العضوي بين التمثيل والمساءلة، بل اتجه نحو إعادة إنتاج دولة التوازنات والتوافقات، والولاءات السياسية والاجتماعية الحمائلية المناطقية القبائلية، والريع الزبائني للدولة، بما أبقى مشروع الدولة الوطنية في حالة تعثّر بنيوي ومزمن.
ومن ثمّ، فإن تجاوز الأزمة السودانية يقتضي إعادة بناء عقل النُخبة ذاتها، بحيث تنتقل من عقل الوساطة – الوساطة بين السلطة التنظيمية الادارية والمجتمع - والاحتكار إلى عقل البناء المؤسسي، ومن منطق السيطرة على الموارد إلى منطق إنتاجها، ومن إدارة التوازنات والتوافقات الضيقة إلى تأسيس شرعية دستورية تستند إلى المشاركة الشعبية والمساءلة الفاعلة. فالدولة الدستورية، في مفهومها المعاصر، لا تقوم بمجرد وجود نصوص قانونية أو هياكل شكلية، وإنما تقوم على نُخبة وطنية تؤمن بأن السلطة تفويضٌ مقيّد، وأن الشرعية تُستمد من المجتمع، وأن الوظيفة الأساسية للدولة هي إنتاج المصلحة العامة وصون الحقوق والحريات.
وفي هذا الإطار، تكشف الوقائع التاريخية المتعاقبة في السودان عن نمط متكرر في سلوك النُخبة والصفوة الحاكمة، يتمثل في الميل إلى توظيف المؤسسات الدستورية والقانونية لخدمة موازين القوى السياسية، بدل إخضاع الفعل السياسي لسيادة الدستور وحكم القانون. ويُظهر هذا النمط، في جوهره، إشكالاً بنيوياً يتجاوز الأخطاء السياسية الظرفية، ليعكس بنية ذهنية راسخة تتعامل مع المؤسسات بوصفها أدوات قابلة للتطويع وإعادة الاستخدام، لا باعتبارها قيوداً ملزمة للسلطة أو ضمانات حاكمة للمشروعية.
ومن هذا المنطلق، يبرز حلّ الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان عام 1965م نموذجاً تأسيسياً لهذا النمط البنيوي في سلوك النُخبة الحاكمة، إذ لم يكن القرار مجرد خلاف سياسي عابر، بل مثّل انتهاكاً مباشراً لمبدأ سيادة القانون والتمثيل البرلماني، خاصة وأن الحزب الشيوعي وقتئذ كان كياناً سياسياً مشروعاً ومسجلاً وفق القانون، كما أن تمثيله البرلماني استند إلى تفويض انتخابي واسع، لاسيما في دوائر الخريجين. وقد تعمّق هذا الخلل الدستوري حين امتنعت السلطتان التشريعية والتنفيذية عن الامتثال لحكم المحكمة العليا – الدائرة الدستورية – الذي قضى بعدم دستورية القرار الصادر من البرلمان، بما شكّل سابقة خطيرة في إضعاف حُجية القضاء وتقويض مبدأ الفصل بين السلطات.
وتزداد خطورة هذه السابقة – حلّ الحزب الشيوعي وطرده من البرلمان - إذا ما قورنت بما رسخته المحكمة العليا – الدائرة الدستورية - في الهند عام 1973م في قضية كيسافاناندا بهاراتي ضد ولاية كيرالا، حيث صاغت ما عُرف بنظرية البنية الأساسية للدستور (Basic Structure Doctrine)، التي تقضي بأن سلطة البرلمان في تعديل الدستور ليست مطلقة، بل مقيدة بعدم المساس بالمرتكزات الجوهرية مثل سيادة الدستور واستقلال القضاء والفصل بين السلطات وحماية الحقوق الأساسية، وهو ما جعل المحكمة الدستورية هناك حارساً للبنية الأساسية وقادرة على إبطال أي تعديل يمس جوهر النظام الدستوري.
إلا أن اللافت، أن القضاء السوداني كان قد سبق هذه التجربة حين أصدر حكمه عام 1966م، مؤكداً أن البرلمان لا يملك سلطة مطلقة في تعديل أو إلغاء الحقوق الدستورية، وأن هناك قيوداً جوهرية مستمدة من طبيعة الدستور ذاته، تضع حدوداً على السلطة التشريعية، وهو ما يُعد صياغة أولية لمبدأ البنية الأساسية للدستور ( (Basic Structure Doctrine، وإن لم يُبلور في نظرية متكاملة كالتي رسختها المحكمة العليا الهندية لاحقاً، مما يمنح القضاء السوداني أسبقية تاريخية في طرح هذا المبدأ الدستوري.
وبذلك، فإن تجاهل السلطات السودانية لحكم المحكمة العليا – الدائرة الدستورية - عام 1965م، ثم الانقلاب على مبدأها – أي حكم المحكمة العليا - عام 1966م، يكشف أن الأزمة لم تكن في غياب الفقه الدستوري أو ضعف القضاء السوداني، بل في ذهنية النُخبة الحاكمة التي تعاملت مع المؤسسات الدستورية بوصفها أدوات قابلة للتطويع لا باعتبارها قيوداً ملزمة وضمانات حاكمة للمشروعية، وهو ما يفسر استمرار الخلل البنيوي في التجربة السودانية مقارنة بالتجربة الهندية التي استطاعت أن تحمي دستورها وتؤسس لاستقرار مؤسسي طويل الأمد.
ويمتد هذا المنطق في التجربة السياسية اللاحقة، كما تجلّى في قرار برلمان 1986م بإعادة ممتلكات بعض القيادات السياسية التي صودرت في عهد سلطة 25 مايو 1969م، حيث انحرف البرلمان عن نطاق وظيفته التشريعية إلى مجال أقرب إلى الوظيفة القضائية، عبر الفصل في منازعات ذات طبيعة حقوقية وملكية كان يفترض، وفق البناء الدستوري المستقر والقانون، أن تُعرض على القضاء المختص، ولا سيما القضاء الإداري أو المحاكم المدنية المختصة وقتها. ومن منظور دستوري، يمثّل هذا الانحراف مساساً مباشراً بمبدأ الفصل بين السلطات كما استقر في التجربة السودانية منذ بداياتها، وبما أرسته المحكمة العليا السودانية – الدائرة الدستورية - من قواعد تؤكد حصرية القضاء في تفسير الحقوق والفصل في المنازعات، وهو مبدأ يجد جذوره أيضاً في التقاليد الدستورية المقارنة، لا سيما النموذج الهندي الذي رسّخ استقلال القضاء واحتكار السلطة القضائية للفصل في المنازعات الحقوقية، ومنع أي تداخل تشريعي أو تنفيذي في اختصاصه.
وبهذا المعنى، فإن تدخل البرلمان لم يكن مجرد إجراء سياسي ظرفي، بل مثّل إعادة تشكيل غير دستورية للاختصاصات، تقوم على نقل سلطة الفصل من القضاء إلى المؤسسة التشريعية، بما يخلّ بالبنية الهرمية للنظام الدستوري، ويضعف مبدأ سيادة القانون، ويقوّض ضمانة الحياد القضائي. ويكشف هذا التحول، في جوهره، عن نزوع نخبوي متكرر إلى تجاوز الحدود المؤسسية، كلما تعارضت مع الحسابات السياسية أو التوافقات والتوازنات الحزبية، وهو نزوع يتسق مع النموذج الذي تجلّى بوضوح في أزمة حلّ الحزب الشيوعي السوداني عام 1965م وما تبعها من تجاهل لحكم المحكمة العليا عام 1966م، حيث تعاملت النُخبة الحاكمة مع المؤسسات بوصفها أدوات قابلة للتطويع، لا باعتبارها قيودًا ملزمة وضمانات حاكمة للمشروعية.
وهكذا، يتضح أن الخلل البنيوي في التجربة السودانية لم يكن حادثًا معزولًا، بل نمطًا متكررًا يعيد إنتاج أزمة الشرعية الدستورية، ويضعف فكرة الدولة الدستورية القائمة على الفصل بين السلطات والرقابة المتبادلة بينها.
وفي عهد سلطة 30 يونيو 1989م، اتخذ هذا النمط صورة أكثر ارتباطًا بالبنية الريعية–الزبائنية للدولة، حيث تعمّق تداخل الوظيفة العامة مع منطق توزيع المنافع السياسية. إذ تحولت المؤسسة التشريعية، من جهاز للرقابة والتشريع إلى جزء من منظومة إعادة توزيع الامتيازات داخل بنية السلطة، كما في حالة منح أعضاء البرلمان – المجلس الوطني - امتيازات اقتصادية مباشرة مثل تمليك مركبات الدفع الرباعي بإعفاءات جمركية وتسهيلات مالية من المال العام.
ومن منظور دستوري، يعكس هذا التحول تجاوزاً في مفهوم الوظيفة التشريعية من كونها سلطة رقابية تمثل الإرادة العامة وتخضع السلطة التنفيذية للمساءلة، إلى كونها أداة ضمن شبكة توزيع الريع السياسي، بما يضعف مبدأ الفصل بين السلطات ويقوّض جوهر الرقابة البرلمانية على المال العام. فبدل أن تكون المؤسسة التشريعية إطارًا لضبط الأداء التنفيذي ومساءلته، تصبح جزءًا من منظومة السلطة ذاتها، بما يحدّ من استقلاليتها الوظيفية ويُضعف فعاليتها الرقابية.
ويكشف هذا التحول، في جوهره، عن أثر سلوك النُخبة والصفوة الحاكمة في إعادة تشكيل المؤسسات وفق منطق التوافقات والتوازنات والمصالح، لا وفق قواعد الدستور. إذ يتجلى النزوع النخبوي–الصفوي هنا في إعادة تعريف وظيفة المؤسسات بما يخدم استقرار شبكات الولاء السياسي، عبر تحويل الموارد العامة إلى أدوات لترسيخ النفوذ بدل كونها وسائل لتحقيق المصلحة العامة.
أما في المرحلة الانتقالية 2019م وحتى تاريخه، فقد عاد النمط النخبوي–الصفوي ذاته، ولكن في سياق مؤسسي أكثر هشاشة وتعقيدًا، اتسم باضطراب عملية بناء الدولة وإعادة ترتيب سلطاتها. فقد أدى تعطيل تشكيل المحكمة الدستورية، رغم تعيين رئيس لها لاحقًا دون استكمال تشكيل قضاتها، إلى جانب عدم إنشاء المجلس التشريعي الانتقالي، وتأخر قيام المفوضيات المستقلة الرقابية والتنفيذية المكملة لسلطة الانتقال، أدى ذلك بالجملة، إلى إضعاف البنية الدستورية للمرحلة الانتقالية، وتقليص قدرتها على إنتاج توازن فعّال بين السلطات، أو تأسيس رقابة مؤسسية متبادلة تضمن انتظام الحياة الدستورية.
ومن منظور دستوري–سردي، لم يكن هذا التعطيل مجرد تأخير إجرائي في استكمال الهياكل، بل مثّل خللًا في منطق الانتقال ذاته، حيث انتقلت السلطة السياسية دون اكتمال البنية المؤسسية الضابطة لها، وهو ما أفضى إلى نشوء فراغ دستوري جزئي، أتاح توسع السلطة التنفيذية على حساب باقي السلطات التشريعية والقضائية. كما أسهم التوسع في تعديل الوثيقة الدستورية دون استكمال مؤسساتها، إلى جانب تسييس بعض مفاصل السلطة القضائية، في إعادة تمركز بنية السلطة داخل الجهاز التنفيذي، بما أخلّ بمبدأ الفصل بين السلطات، وأضعف فعليًا منظومة الضبط والرقابة المتبادلة، وهي المنظومة التي يقوم عليها نظام الفصل بين السلطات (Separation of Powers) وآليات الرقابة والتوازن (Checks and Balances)، حيث يُعاد توزيع السلطة بين مؤسسات الدولة على نحو يمنع احتكارها، ويضمن خضوع كل سلطة لقيود دستورية ورقابية من السلطات الأخرى.
وفي هذا السياق، إعادة تمركز بنية السلطة داخل الجهاز التنفيذي، أضعفت التوازن بين السلطات الثلاث مجتمعة، وليس سلطة واحدة بعينها، مما أدى إلى اختلال وظيفة الرقابة الدستورية ككل، وتراجع فعالية الضمانات المؤسسية التي تكفل عدم تغوّل أي من السلطات على الأخرى.
ويكشف هذا المسار للانتقال 2019م، في بُعده الدستوري، عن اختلال في ترتيب أولويات البناء المؤسسي خلال المرحلة الانتقالية، حيث جرى تقديم إدارة السلطة على تأسيس المؤسسات الضامنة لها، الأمر الذي جعل الوثيقة الدستورية 2019م إطارًا مرنًا لإدارة التوازنات السياسية أكثر من كونها عقدًا ملزمًا ينظم حدود السلطة ويحدد آليات مساءلتها.
وفي هذا السياق، يمكن فهم طبيعة الوثيقة الدستورية الانتقالية، بوصفها لا ترقى إلى مستوى (العقد الدستوري (Constitutional Social Contract) بالمعنى التأسيسي المكتمل في الفقه الدستوري، وإنما تندرج أقرب إلى مفهوم الاتفاق السياسي–الدستوري الانتقالي ذي الطبيعة التوافقيةTransitional Constitutional Political Agreement / Elite Pact، الذي نشأ بين قوى سياسية وعسكرية ونُخب تفاوضية لإدارة فراغ السلطة وتنظيم المرحلة الانتقالية. وتستمد هذه الوثيقة مشروعيتها، في جوهرها، من التوافق النخبويElite Consensus وموازين القوة بين الفاعلين السياسيين، أكثر من استنادها إلى تفويض تأسيسي شعبي مباشر (Popular Constituent Mandate) عبر آليات التأسيس الدستوري النهائي.
ومن منظور الفقه الدستوري المقارن، فإن هذا النوع من الترتيبات، يندرج ضمن مفهوم (الترتيبات الدستورية الانتقالية (Transitional Constitutional Arrangements)، التي تُصاغ عادة في سياقات ما بعد الأزمات لإدارة المرحلة الوسيطة بين انهيار النظام السابق وبناء النظام الدستوري الجديد. وهي بطبيعتها ترتيبات ذات شرعية انتقالية (Interim / Transitional Legitimacy) وليست شرعية تأسيسية مكتملة (Foundational Constitutional Legitimacy).
وبهذا المعنى، فإن الوثيقة الدستورية 2019م، تمثل ترتيبًا انتقاليًا مؤقتًا لتنظيم ممارسة السلطة وإدارة الدولة، لا عقدًا اجتماعيًا مكتمل الأركان (Fully-fledged Social Contract) يؤسس لنظام دستوري مستقر ونهائي. وهو ما يفسر قابليتها العالية للتعديل وإعادة التفسير السياسي والإلغاء، وانعكاس ذلك على طبيعة العلاقة بين السلطات خلال المرحلة الانتقالية، في ظل غياب مؤسسات دستورية مكتملة تُفعّل منطق الفصل بين السلطات (Separation of Powers) وآليات الضبط والتوازن (Checks and Balances) بصورة فعّالة ومستقرة.
وفي ضوء هذا التصور، يمكن إعادة قراءة المرحلة الانتقالية بوصفها انتقالاً سياسياً مؤسساً على وثيقة مكتوبة ذات طبيعة توافقية–سياسية، صُممت كإطار انتقالي للحكم المدني الديمقراطي وصولاً إلى انتخابات عامة، لا كدستور مكتمل العناصر بالمعنى الصارم للدولة الدستورية المستقرة. وكان يفترض، وفق منطق الشرعية الانتقالية في الفقه الدستوري المعاصر، أن يُبنى هذا الإطار على معايير واضحة لتشكيل السلطة التشريعية الانتقالية بالتعيين، بوصفها سلطة مؤقتة استثنائية ذات مشروعية مشتقة من التوافق السياسي، لا من التفويض الانتخابي المباشر، بما يضمن تمثيلاً واسعاً ومتوازناً للقوى السياسية والاجتماعية، مع استبعاد الاحتكار الحزبي أو الصفوي للقرار التشريعي.
وفي هذا السياق، يذهب الفقه الدستوري المعاصر، إلى أن ترتيبات الانتقال في الدول التي تعاني من أزمات سياسية–دستورية يجب أن تقوم على أسس المشروعية الانتقالية، بما يشمل التوازن السياسي بين القوى الموقعة على الترتيب الانتقالي، والتمثيل الإقليمي والاجتماعي العادل، والالتزام بمبادئ النزاهة والاستقلالية، وعدم الجمع بين مواقع السلطة التنفيذية والتشريعية، بما يضمن الحد الأدنى من الفصل الوظيفي داخل المرحلة الانتقالية. ويوازي ذلك ضرورة إحكام ضمانات استقلال القضاء بوصفه سلطة فصل وتحكيم دستوري، لا ذراعاً تنفيذية أو امتداداً للتوازنات السياسية، مع التأكيد على أن الوظيفة القضائية تظل وظيفة عامة محايدة يحكمها الدستور والقانون وحدهما.
إلا أن غياب التوازن بين التمثيل التعييني المؤقت وآليات المساءلة والرقابة المؤسسية – وهو التوازن المقرر في الفقه الدستوري المعاصر لضمان نجاح ترتيبات الانتقال في الدول التي تعاني من أزمات سياسية–دستورية – أعاد إنتاج ذات البنية المختلة للعلاقة بين السلطة والمؤسسات، القائمة على تغليب إدارة التوازنات السياسية على حساب بناء قواعد دستورية مستقرة، بما في ذلك تهميش استقلال المؤسسات الرقابية وتعطيل فعاليتها، وإعادة توظيفها ضمن منطق الصراع السياسي بدل منطق الضبط الدستوري. وقد تجلّى هذا النمط البنيوي المتمثل في تجاوز النُخبة الحاكمة للحدود المؤسسية وتوظيف المؤسسات كأدوات سياسية مرة أخرى في المرحلة الانتقالية 2019م بصورة أكثر حدّة، حيث تراجعت المؤسسات الضابطة، واختلت معايير المشروعية الانتقالية، وضعفت ضمانات الفصل بين السلطات.
وبذلك، تعمّقت هشاشة التجربة الانتقالية 2019م، وتحوّلت أزمة الدولة الدستورية إلى واقع متجذّر، حيث غابت المؤسسات الضابطة واختلت معايير المشروعية الانتقالية وضعفت ضمانات الفصل بين السلطات. ولم تعد الأزمة مجرد خلل عابر في الترتيبات السياسية، بل تكرّست كأزمة بنيوية تمس جوهر فكرة الدولة الدستورية ذاتها، القائمة على التوازن والرقابة المتبادلة بين مؤسسات الحكم.
هذا التكرّس الأزموي البنيوي لفكرة الدولة المعاصرة، يعكس انتقال الخلل من مستوى الإجراءات الظرفية إلى مستوى البنية الدستورية، بحيث أصبح منطق إدارة السلطة هو الغالب على حساب بناء قواعد دستورية-قانونية مستقرة، وهو ما يفسر استمرار إعادة إنتاج الأزمة في كل تجربة انتقالية لاحقة.
وبذلك، تعمّقت هشاشة التجربة الانتقالية 2019م، وتكرّست أزمة الدولة الدستورية القائمة على التوازن والرقابة المتبادلة بين مؤسسات الحكم، وهو ما يضع التجربة السودانية 2019م في سياق مقارن مع الفقه الدستوري المعاصر الذي يؤكد أن نجاح الانتقال السياسي في الدول الخارجة من الأزمات مرهون بترتيبات مؤسسية دقيقة تضمن الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وتوازن التمثيل السياسي والاجتماعي، بما يحول دون إعادة إنتاج الاختلالات البنيوية ذاتها.
وبذلك، يتضح أن الإشكال ليس مجرد تعاقب أحداث سياسية منفصلة، بل هو نمط بنيوي يعيد إنتاج ذاته عبر المراحل النخبوبية-الصفوية المختلفة، يقوم على إخضاع المؤسسات الدستورية لموازين القوى السياسية بدل إخضاع السياسة لقيود الدستور. وهو ما يعكس أزمة في تصور وظيفة الدولة ذاتها، حيث تُعامل المؤسسات بوصفها وسائل مرنة لإدارة الصراع على السلطة، لا بوصفها إطارًا ملزمًا لتنظيمها وضبطها.
وبناء عليه، من منظور دستوري تحليلي، يُفهم مسار إدارة الانتقال السياسي–الدستوري 2019م مسارًا اتسم باضطراب بنية الانتقال ذاته، سواء من حيث ترتيب الأولويات المؤسسية أو من حيث اكتمال هندسة السلطة خلال المرحلة الانتقالية. فقد تجلّى هذا المسار في تعطيل تشكيل المؤسسات الدستورية الضابطة، وعلى رأسها المحكمة الدستورية والمجلس التشريعي الانتقالي والمفوضيات المستقلة، إلى جانب التوسع في تعديل الوثيقة الدستورية دون استكمال بنيتها المؤسسية، وتسييس بعض مفاصل السلطة القضائية.
ويعكس هذا المسار، في جوهره، نمطًا بنيويًا متكررًا في التجربة السودانية، يقوم على تغليب إدارة التوازنات السياسية قصيرة المدى على حساب بناء قواعد دستورية مستقرة وطويلة الأجل، وعلى إعادة توظيف المؤسسات بوصفها أدوات ضمن الصراع السياسي، بدل اعتبارها ضمانات ملزمة للشرعية الدستورية وقيودًا حاكمة على ممارسة السلطة. ويترتب على ذلك، أن تصبح المؤسسة الدستورية أداة تفاوض سياسي أكثر من كونها إطارًا ناظمًا للعلاقة بين السلطة والقانون.
وبذلك يكشف المسار الانتقالي، اختلالات جوهرية في بنية النظام الدستوري الانتقالي ذاته، تتمثل في ضعف استقرار مبدأ سيادة القانون، وتآكل استقلال القضاء، واضطراب مبدأ الفصل بين السلطات، وهي عناصر تُعد من الركائز التأسيسية لأي بناء دستوري حديث. كما أن غياب هذه المرتكزات لا يمكن تفسيره بوصفه مجرد خلل إجرائي أو تأخير في استكمال الهياكل المؤسسية، بل بوصفه تعبيرًا عن أزمة أعمق في منطق الانتقال ذاته، حيث انتقلت السلطة السياسية دون اكتمال البنية المؤسسية الضابطة لها، بما أفضى إلى توسع السلطة التنفيذية على حساب باقي السلطات، وإلى إضعاف منظومة الضبط والرقابة المتبادلة التي تشكل جوهر الدولة الدستورية الحديثة.
وفي هذا السياق، يتحول الدستور من إطار ملزم يضبط ممارسة السلطة إلى نص ذي قابلية عالية للتأويل الانتقائي وإعادة التوظيف السياسي، بما يُضعف طابعه الإلزامي ويحدّ من فعاليته كمرجعية عليا. ومع تآكل هذه الوظيفة، تتراجع الشرعية السياسية من كونها شرعية مؤسسية قائمة على الدستور إلى شرعية ظرفية تستند إلى موازين القوة والتوازنات السياسية.
وعليه، يُفهم المسار الانتقالي 2019م، بوصفه مسار إدارة انتقال سياسي–دستوري مضطرب، بينما يُفهم النمط البنيوي بوصفه نمطًا مستمرًا في سلوك النُخبة الحاكمة، يقوم على تجاوز الحدود المؤسسية وتطويع المؤسسات لخدمة التوازنات والصراعات السياسية، بدل إخضاعها لمنطق الدستور وسيادة القانون.
ومن خلال هذه النماذج المتعاقبة، يتضح أن سلوك النُخبة السودانية، يتسم بسمتين مركزيتين:
(أولاهما) تسييل الحدود الفاصلة بين السلطات كلما اقتضت المصلحة السياسية ذلك؛
(ثانيتهما) إخضاع النصوص والمؤسسات لمنطق التوازنات النخبوية لا لمنطق الدستور.
وبهذا المعنى، لا تُعامل المؤسسات بوصفها قواعد حاكمة للسلوك السياسي، بل بوصفها موارد قابلة لإعادة التوظيف داخل صراع النفوذ.
وهذا النمط يفسّر، إلى حد بعيد، تعثّر بناء الدولة الدستورية في السودان؛ فالدولة الدستورية لا تُقاس بوجود نصوص مكتوبة أو هياكل شكلية، بل بمدى خضوع الفاعلين السياسيين أنفسهم لقيود تلك النصوص. وعندما تتحول المؤسسات إلى أدوات بيد الصفوة والنخبة – كفاعل سياسي - يفقد الدستور وظيفته كإطار ناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وتتحول الشرعية من شرعية دستورية مؤسسية إلى شرعية مصلحية ظرفية.
لذلك، يتبين أن أزمة السودان ليست أزمة نصوص أو هياكل فحسب، بل هي في جوهرها أزمة عقل سياسي لم يستوعب بعد أن الدولة الحديثة تقوم على سمو الدستور، واستقلال القضاء، واحترام الحدود الوظيفية بين السلطات، لا على القدرة على الالتفاف عليها أو إعادة تشكيلها وفق مقتضيات اللحظة السياسية. ونواصل التوصيف والتعريف، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
26/ 04/ 2026م
التصنيف :
الرأي

