السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج (1)
الفريق شرطة حقوقي (م) د. الطيب عبد الجليل حسين محمود - المحامي واستشاري القانون.
(Eltayeb2hussein@gmail.com - Eltayeb.hussein@yahoo.com)
-----------------------------------------------------------
(جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف)
-----------------------------------------------------------
في الفكر السياسي المقارن، يبرز التمييز بين (الدولة المُعطاة والدولة المصطنعة والدولة المفروضة من الخارج) بوصفه مدخلًا تحليليًا مركزيًا لفهم إشكاليات الشرعية والهوية وبنية السلطة، حيث يُستعمل في الأدبيات السياسية والقانونية مصطلح (الدولة المُعطاة (Given State / Pre-given State / Organic State) للدلالة على الدولة بوصفها معطى تاريخيًا واجتماعيًا سابقًا على التحليل، أي كيانًا نشأ وتطوّر عبر مسار داخلي تراكمي تُفترض فيه الاستمرارية المؤسسية دون مساءلة جذرية لشروط التأسيس الأولى، وفي هذا التصور تُعامل الدولة باعتبارها حقيقة موضوعية مكتملة نسبيًا تتأسس عليها الدراسات الدستورية والقانونية، فينصرف الاهتمام إلى تنظيم السلطة وتوزيع الاختصاصات وضمان الحقوق أكثر من الانشغال بأصل التكوين، وهو ما يُحيل ضمنًا إلى نمط من الشرعية المتولدة تاريخيًا عبر التفاعل المستمر بين المجتمع ومؤسساته، بما يسمح بتبلور عقد اجتماعي ضمني وتراكم أعراف دستورية تُكسب النظام قدرًا من الاستقرار والقبول العام.
وفي مقابل ذلك من جانب آخر، يظهر مصطلح الدولة المفروضة أو الدولة المصنوعة من الخارج (Externally Imposed State / Externally Constructed State / Artificial State / Colonially Imposed State) ليعبّر عن نمط مغاير من تشكّل الدولة، حيث لا يكون التأسيس نتاجًا لديناميات داخلية خالصة، بل نتيجة تدخلات خارجية استعمارية أو دولية أعادت رسم الحدود أو فرضت نماذج مؤسسية جاهزة على واقع اجتماعي قد لا ينسجم معها. في هذا الإطار، تصبح الدولة بناءً سياسيًا مركبًا أكثر منه ناميًا، وهو ما يفضي إلى فجوة بين البنية القانونية الرسمية والبنية الاجتماعية الفعلية، ويُنتج إشكالات مزمنة في الشرعية والاندماج الوطني، كما تتسم هذه الدول بضعف التماسك المؤسسي أو هشاشة العقد الاجتماعي أو استمرار النزاعات والصراعات حول الهوية الاجتماعية-السياسية وتوزيع السلطة.
ولا يقتصر هذا التمييز على الوصف التاريخي، بل يمتد إلى البنية المفاهيمية العميقة للشرعية في الفقهين السياسي والدستوري، حيث يمكن – من منظور تحليلي – إعادة صياغته ضمن ثلاثية: الدولة العضوية (المُعطاة)، والدولة المصطنعة، والدولة المفروضة من الخارج.
ففي السياق الإسلامي التقليدي، تتجسد الدولة العضوية (المُعطاة) بوصفها كيانًا ينشأ من داخل الجماعة، متدرجًا مع بنيتها الاجتماعية والثقافية والدينية، ومعبرًا عن تطورها التاريخي الطبيعي، لا عن قطيعة مفروضة أو هندسة خارجية. وتُؤصَّل هذه الصيغة من خلال آليتي البيعة (Bay‘ah) والشورى (Shura)، بوصفهما معًا الإطار التأسيسي الذي تتولد من خلاله الشرعية السياسية وتُضبط ممارستها. إذ تمثل البيعة عقدًا اجتماعيًا–سياسيًا (pledge of allegiance / oath of allegiance) يُعبّر عن إرادة الجماعة في منح الشرعية للحاكم عبر إسناد السلطة إليه، بما يعني أن الأمة هي التي تفوضه بقيادة شئونها، لا أن السلطة تُفرض من خارجها أو تُحتكر من أعلى بمعزل عن إرادتها. وبهذا المعنى، تؤسس البيعة (Bay‘ah) لما يمكن تسميته بالشرعية التأسيسية، حيث تنبع السلطة من القبول الجماعي، وتستمد قوتها من الارتباط العضوي بين الحاكم والمجتمع.
وفي المقابل، تمثل الشورى (Shura / consultation) الإطار المؤسسي الذي يُنظّم المشاركة الجماعية في اتخاذ القرار، بما يقارب وظيفيًا ما يُعرف بالبرلمان أو الهيئة التشريعية، دون أن يقتصر عليهما. فهي آلية أوسع تُعنى بضبط تداول الرأي وإشراك الجماعة في توجيه القرار، بحيث لا يتحول التفويض إلى سلطة مطلقة أو مغلقة، بل يظل مقيدًا بآليات التشاور، والمساءلة، والتوازن بين القوى. ومن ثم، تؤسس الشورى لما يمكن وصفه بالشرعية الإجرائية، أي الشرعية المرتبطة بكيفية ممارسة السلطة، بما يضمن استمرارية الرقابة عليها ويحول دون انحرافها عن مقاصدها.
وفي هذا السياق، يبرز الدستور بوصفه الحلقة المفصلية التي تربط بين مفهوم البيعة ((Bay‘ah ومفهوم الشورى (Shura)، وتنقلهما من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى البناء المؤسسي المنظّم. فإذا كانت البيعة ((Bay‘ah تمثل مصدر الشرعية من حيث التفويض وإسناد السلطة، وكانت الشورى (Shura)، تمثل آلية ممارستها وضبطها، فإن الدستور يضطلع بوظيفة التقنين والتأطير؛ إذ يحدد كيفية نشوء هذا التفويض، ويضبط آليات ممارسته، ويضع الحدود الفاصلة بين السلطات، ويقرّ قواعد المساءلة والرقابة. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الدستور في الدولة الحديثة باعتباره الصيغة القانونية المتطورة لفكرة الشورى (Shura)، حيث تتحول من مبدأ أخلاقي-سياسي إلى منظومة قواعد ملزمة، كما يُعاد تنظيم ما يقابل البيعة ((Bay‘ah -كالانتخاب أو غيره من آليات إسناد السلطة - ضمن إطار قانوني واضح ومحدد.
إلا أن موقع الدستور يختلف باختلاف أنماط الدولة؛ ففي الدولة العضوية يكون امتدادًا طبيعيًا لتطور المجتمع وقيمه، معبرًا عن تاريخه السياسي والثقافي، ومجسدًا لآليات البيعة والشورى في صورة حديثة متجذرة. أما في الدولة المصطنعة، فقد يبدو متماسكًا من حيث الصياغة ومتقدمًا على مستوى النصوص التشريعية للدستور، إلا أنه – أي الدستور - يعاني من فجوة بين بنيته القانونية والواقع الاجتماعي، بما يحدّ من فعاليته ويجعله أقرب إلى نموذج معياري غير مكتمل التجذر. وفي الدولة المفروضة من الخارج، يتخذ الدستور طابعًا أكثر إشكالية، إذ يكون غالبًا مفصولًا عن الإرادة المجتمعية، ومفروضًا ضمن سياق سياسي خارجي، مما يؤدي إلى ضعف شرعيته الفعلية رغم حضوره النصي التشريعي للمبادئ والقواعد الدستورية، ويُنتج توترًا مستمرًا بين النظام القانوني الرسمي والبنية الاجتماعية.
وفي امتداد هذا التحليل، يبرز سؤال الفاعل: منّ الذي يضطلع بوظيفة التوجيه والمشاركة في اتخاذ القرار؟ وهنا يتقدم مفهوم أهل الحل والعقد، الذي لا يمكن اختزاله في مجرد (جهات فنية) أو خبراء تقنيين، لأن هذا التصور يُفرغه من مضمونه التاريخي والفقهي. فأهل الحل والعقد في الفكر السياسي الإسلامي يمثلون نخبة مركبة تقوم على بعدين متلازمين:
(أولًا) البُعد التمثيلي؛ من حيث تعبيرهم عن ثقل الجماعة وإرادتها الاجتماعية والسياسية؛
(ثانيًا) البُعد المعرفي والخبروي م الخبرة؛ من حيث امتلاكهم القدرة على التقدير والحكم الرشيد استنادًا إلى العلم والخبرة والمكانة العلمية المعرفية والمجتمعية من أهل الحكمة.
وبذلك، فهم ليسوا مجرد تكنوقراط، ولا مجرد ممثلين سياسيين بالمعنى الحديث، بل يمثلون صيغة مركبة تجمع بين الشرعية الاجتماعية والكفاءة المعرفية، وهو ما يمنحهم دورًا محوريًا في وصل السلطة بالمجتمع، والإسهام في توجيه القرار وضبطه.
وعند الانتقال إلى الدولة الحديثة، يتضح أن هذا المفهوم لم يختفِ - أهل الحل والعقد - بل خضع لعملية تفكيك وإعادة توزيع مؤسسي؛ حيث توزعت وظائف أهل الحل والعقد على عدة مؤسسات: فالبرلمان يتولى تمثيل الإرادة العامة للمجتمع السياسي/ الشعب، والحكومة تمارس السلطة التنفيذية وصنع القرار، والهيئات الفنية والاستشارية تقدم الخبرة المتخصصة (المفوضيات)، بينما يضطلع القضاء - وخاصة القضاء الدستوري -بوظيفة الرقابة على الشرعية وضبط حدود السلطة. وبهذا المعنى، لم يعُد أهل الحل والعقد كيانًا واحدًا، بل تحولوا إلى بنية مؤسسية متعددة المستويات داخل النظام الدستوري.
ومن خلال هذا التكامل، تتضح البنية العميقة للعلاقة بين هذه المفاهيم؛ فالبيعة (Bay‘ah) تحدد من يحكم بوصفها مصدر الشرعية ، والشورى (Shura) تحدد كيف يُحكم بوصفها آلية الممارسة، والدستور يحدد كيف تُنظَّم السلطة وتُقيَّد بوصفه الإطار القانوني الحاكم، بينما يمثل أهل الحل والعقد - في صورتهم التقليدية أو المؤسسية الحديثة - الفاعل الوسيط الذي يشارك في منح الشرعية وتوجيهها وضبطها. ومن ثم، فإن إدماج الدستور في هذا الجدل لا يؤدي إلى إلغاء المفاهيم التراثية، بل إلى إعادة صياغتها داخل بنية مؤسسية حديثة، وهو ما يفسر استمرار التوتر- وأحيانًا التفاعل الخلّاق - بين المرجعية العضوية المتجذرة والتصميم الدستوري المعاصر.
وبهذا التكامل بين البيعة (Bay‘ah) والشورى (Shura)، تتشكل بنية الشرعية في الدولة العضوية/ المُعطاة بوصفها شرعية متولدة من الداخل، لا مفروضة من أعلى ولا مستوردة من الخارج، ومقيدة في الوقت ذاته بمبدأ الاستخلاف والمسئولية؛ حيث يخضع الحاكم لمساءلة مزدوجة: أمام الأمة التي منحته السلطة عبر البيعة، وأمام المرجعية القيمية (الدينية) التي تضبط ممارسته لها من خلال الشورى ومقاصد العدالة.
إلا أن تحديد طبيعة هذه المرجعية القيمية (الدينية) يثير تساؤلًا دقيقًا حول علاقتها بالدستور: هل تُفهم بوصفها ذاتها الدستور، أم أنها مستوى مغاير له؟ والإجابة تقتضي التمييز بين مستويين متكاملين لا متطابقين. فالمرجعية القيمية (الدينية) تمثل إطارًا معياريًا أعلى، يتجاوز مجرد النصوص التشريعية-القانونية، إذ تتجسد في منظومة من القيم الكلية - كالعدل، والمصلحة، ورفع الظلم، وتحقيق المقاصد - وهي بذلك تشكل معيارًا يُحتكم إليه في تقييم الفعل السياسي، حتى خارج حدود النصوص التشريعية المكتوبة.
وفي المقابل، يبرز الدستور بوصفه صياغة قانونية بشرية تسعى إلى ترجمة هذه القيم إلى قواعد ملزمة وآليات مؤسسية تضبط ممارسة السلطة. فهو لا يُنشئ القيم في ذاتها، بل يُعيد تنظيمها وتقنينها داخل بنية قانونية محددة، بما يجعلها قابلة للتطبيق والرقابة. ومن ثم، يمكن القول، إن الدستور في الدولة العضوية / المُعطاة يمثل التجسيد المؤسسي للمرجعية القيمية، دون أن يستوعبها بالكامل أو يستنفد دلالاتها.
ومن هنا، تقوم العلاقة بين المرجعية القيمية والدستور على التكامل لا التطابق؛ حيث تظل الأولى – المرجعية القيمية-الدينية إطارًا معياريًا أعلى (Normative)، بينما يشكل الثاني – الدستور - الإطار القانوني المنظِّم (Legal). ويترتب على ذلك، أن شرعية السلطة لا تُقاس فقط بمدى التزامها بالنصوص الدستورية، بل أيضًا بمدى توافقها مع القيم التي قام عليها الدستور نفسه. وهو ما يفتح المجال - نظريًا وعمليًا - لنقد السلطة حتى في حال التزامها الشكلي بالإجراءات، إذا ما انحرفت عن مقاصد العدالة أو أخلّت بجوهر القيم المؤسسة.
وبهذا الفهم، يصبح ويصير الدستور في الدولة العضوية ليس مجرد وثيقة قانونية جامدة، بل امتدادًا حيًا لمنظومة القيم التي نشأت منها الدولة، وأداةً لربط هذه القيم بالممارسة السياسية اليومية. فهو يعمل كجسر بين المجرد والمؤسسي، بين الأخلاقي والقانوني، بما يضمن أن تظل السلطة خاضعة ليس فقط لقواعد الإجراء، بل أيضًا لمعيار العدالة الذي يمنحها معناها وشرعيتها.
وعند الانتقال إلى الممارسة التاريخية، نجد أن هذه الثنائية (البيعة Bay‘ah والشوري Shura) تجسدت بوضوح في الخلافة الراشدة، التي تمثل النموذج الأقرب إلى الدولة العضوية في التجربة الإسلامية. فالبيعة كانت الوسيلة التي يُعلن بها المسلمون قبولهم بسلطة الخليفة، كما حدث عند بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة، حيث مثّلت البيعة لحظة تأسيسية للشرعية السياسية. وفي المقابل، كانت الشورى الأداة التي يُحتكم إليها في اختيار الخليفة أو في إدارة شئون الدولة، كما تجلى في مشاورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل الحل والعقد في القضايا المصيرية، أو في تشكيل مجلس الشورى لاختيار الخليفة من بعده. ويعكس هذا التوازن التاريخي محاولة واعية للجمع بين التفويض الشعبي من جهة، والمشاركة المؤسسية من جهة أخرى، بما يحول دون احتكار السلطة أو انفرادها.
إلا أن هذا النموذج لم يظل ثابتًا في جميع المراحل التاريخية اللاحقة؛ إذ بدأت بعض عناصر التحول نحو الدولة المصطنعة بالظهور، من خلال إعادة تشكيل السلطة على أسس أقل ارتباطًا بالبنية الاجتماعية وأكثر اقترابًا من المركزية أو الوراثة السياسية، الأمر الذي أدى إلى تراجع نسبي في البُعد العضوي للشرعية، وخلق فجوة بين النصوص والممارسات، وبين الشكل المؤسسي والواقع الاجتماعي.
أما في الحالة الأكثر تطرفًا، فتظهر الدولة المفروضة من الخارج، حيث يُفرض النموذج السياسي أو الدستوري بفعل قوى خارجية، دون أن ينبع من المرجعية الاجتماعية أو الثقافية المحلية، وهو ما يؤدي إلى انقطاع في مسار التأسيس الشرعي، ويُنتج توترًا مستمرًا بين الشرعية القانونية الشكلية والشرعية المجتمعية الفعلية، بل ويمتد إلى إشكاليات السيادة ذاتها.
وعند الانتقال إلى الاستخدامات الحديثة، يتبين أن بعض الدساتير العربية والإسلامية قد أعادت استحضار مفهومي البيعة والشورى ضمن صيغ جديدة تعكس هذا التداخل بين النماذج الثلاثة (العضوي / المعطى، المصطنع، والمفروض). فالبيعة تُستعاد أحيانًا كرمز للشرعية الدينية أو الوطنية، كما هو الحال في بعض الملكيات العربية التي تُقرّها كإطار رمزي لتجديد الولاء للحاكم (الملك، الأمير، السلطان)، بما يحافظ على امتداد تاريخي لفكرة الشرعية العضوية، ولو في صورتها الرمزية. بينما تُستحضر الشورى في صورة مجالس نيابية أو استشارية، لتؤدي دورًا مؤسسيًا في التشريع والرقابة، في إطار حديث يقترب من النظم البرلمانية، وهو ما يعكس تداخلاً بين البنية العضوية الأصلية والبناء المؤسسي المصطنع.
وهكذا، يظهر الرابط الانتقالي بين الماضي والحاضر في أن البيعة والشورى ظلتا ثنائية تأسيسية في الفكر السياسي الإسلامي: الأولى (البيعة) تمنح الشرعية عبر التفويض وإسناد السلطة، والثانية (الشورى) تضمن المشاركة عبر التشاور والمساءلة. إلا أن فهمهما في السياق المعاصر، لا يكتمل إلا بوضعهما ضمن الإطار الأوسع لتحولات الدولة بين كونها كيانًا معطى عضويًا متجذرًا، أو بناءً مؤسسيًا مصطنعًا، أو نموذجًا مفروضًا من الخارج.
وفي هذا الإطار التحليلي الذي يكشف عن تمايز أنماط الدولة بين العضوي / المعطى والمصطنع والمفروض، لا يكفي التعامل الاصطلاحي مع مفهومي البيعة والشورى، بوصفهما مجرد مقابلات لغوية مترادفه في الترجمة pledge of allegiance - Shura /consultation، بل يقتضي الأمر إرفاقهما بشرح سياقي يوضح جذورهما التاريخية وتطوراتهما المعاصرة، حتى يُفهما بوصفهما ليسا مجرد مصطلحين، بل مفاتيح تفسيرية لطبيعة الدولة ومصدر شرعيتها، وللعلاقة المعقدة بين السلطة والمجتمع في مختلف هذه النماذج.
ومن هنا، يصبح استدعاء مفهوم البيعة Bay‘ah ومفهوم الشورى Shura ضرورةً تفسيرية، إذ يشكّلان نموذجين أصيلين لتجسيد العلاقة بين الدولة والمجتمع، والانتقال من المستوى النظري العام إلى المستوى الرمزي والعملي الذي يوضح كيف تتجسد الشرعية في صورها المتعددة. فـقسم الولاء pledge of allegiance يُعدّ أحد أبرز الرموز السياسية التي تعبّر عن الانتماء والالتزام تجاه الدولة أو الجماعة؛ فهو ليس مجرد كلمات تُتلى، بل هو تعبير عن عقد أخلاقي وسياسي يربط الفرد بالمجتمع والسلطة الشرعية. هذا القسم يرسّخ فكرة المسئولية المشتركة ويؤكد على وحدة الصف، حيث يُعلن الفرد استعداده للدفاع عن القيم والمبادئ التي يقوم عليها الكيان السياسي.ئوفي المقابل، تأتي الشورى التشاورية Consultation Shura باعتبارها مبدأً أصيلاً في الفكر الإسلامي، يقوم على المشاركة الجماعية في اتخاذ القرار، ويستند إلى قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، سورة الشورى، الآية 38. فالشورى Consultation Shura ليست مجرد آلية إجرائية، بل هي قيمة أخلاقية ومؤسسية تضمن التوازن بين السلطة والإرادة الجماعية، وتُعطي القرار السياسي شرعية مستمدة من التوافق والمشاركة.
وعلى ضوء هذا التوضيح، لمكانة القسم pledge of allegiance والشورى Consultation Shura في الفكر السياسي والشرعي في الإسلام، يصبح من الضروري النظر إلى كيفية تفاعلهما معاً، إذ إن الجمع بين قسم الولاء والشورى التشاورية يخلق إطاراً متكاملاً يجمع بين الالتزام الفردي والانفتاح الجماعي. فالقسم يرسّخ الانتماء والوفاء، بينما الشورى تفتح المجال أمام الحوار والتداول، وبذلك يتكامل البُعدان ليشكّلا أساساً لنظام سياسي وأخلاقي يوازن بين الطاعة والحرية، وبين المسئولية الفردية والمصلحة العامة.
وفي السياق الدستوري المعاصر، يُعاد توظيف مفهومي البيعة والشورى في إطار الثلاثية التي تحدد أنماط الدولة (الدولة العضوية/ المعطاة، والدولة المصطنعة، والدولة المفروضة)، فالبيعة تُستحضر أحيانًا كأداة لإضفاء شرعية رمزية ذات جذور عضوية، خاصة في الأنظمة الملكية، بينما تتحول الشورى إلى مؤسسات تمثيلية (برلمانات أو مجالس استشارية) تُحاكي النماذج الحديثة، وهو ما يعكس في بعض الحالات مزيجًا بين نموذج العضوية والمصطنعية.
أما في الدول التي نشأت في سياق استعماري، فيظل التوتر قائمًا بين البنية الدستورية المستوردة والشرعية الاجتماعية، بما يقارب نموذج الدولة المفروضة. وهنا يتضح أن البيعة والشورى لا يُعاد توظيفهما بشكل موحّد، بل يتخذان دلالات مختلفة بحسب طبيعة الدولة: ففي النموذج العضوي يرسخان جذور الشرعية من داخل المجتمع، وفي النموذج المصطنع يُعاد تشكيلهما ضمن مؤسسات حديثة، بينما في النموذج المفروض يتجلى التناقض بين الشكل الدستوري المفروض والشرعية الاجتماعية الغائبة أو المتنازعة.
وبذلك، فإن البيعة (Bay‘ah) والشورى (Shura) لا يمكن فهمهما فقط كمفاهيم تراثية أو مصطلحات قابلة للترجمة (pledge of allegiance – consultation Shura)، بل بوصفهما مفاتيح تفسيرية لنمط تشكّل الدولة وشرعيتها. فالبيعة تعبّر عن بُعد الانتماء والقبول، أي ما يمكن تسميته بالشرعية التأسيسية، حيث يُقرّ المجتمع بسلطة الحاكم أو النظام من خلال عقد رمزي وأخلاقي يرسّخ الانتماء والوفاء. أما الشورى، فتمثل بُعد المشاركة والتنظيم، أي ما يُعرف بالشرعية الإجرائية، حيث تُمارَس السلطة عبر آليات التشاور والتداول الجماعي التي تمنح القرار السياسي مشروعية مستمدة من التوافق والمشاركة.
وعلى ضوء هذا التحديد، يصبح من الممكن في الفكر السياسي–الدستوري في الشريعة الإسلامية التمييز بين أنماط الدولة الثلاثة (العضوية/ المعطاة، والمصطنعة، والمفروضة): ففي النموذج العضوي، تنشأ الدولة من داخل المجتمع، حيث تُجسّد البيعة بُعد الانتماء والقبول بوصفها شرعية تأسيسية، بينما تُمارَس الشورى كآلية أصيلة للتشاور تمنح القرار السياسي شرعية إجرائية.
أما في النموذج المصطنع، فتُعاد صياغة الدولة هندسيًا عبر مؤسسات حديثة، حيث تُستحضر البيعة كرمز تقليدي لإضفاء شرعية رمزية، بينما تتحول الشورى إلى مؤسسات تمثيلية (برلمانات أو مجالس استشارية) تحاكي النماذج الدستورية المعاصرة، وهو ما يعكس مزيجًا بين العضوية والمصطنعية.
وأخيراً في النموذج المفروض، الذي ينشأ في سياق استعماري أو خارجي، يظهر التوتر بين البنية الدستورية المستوردة والشرعية الاجتماعية الغائبة أو المتنازعة، بما يقارب نموذج الدولة المفروضة، حيث تتراجع البيعة والشورى إلى مستوى رمزي أو شكلي لا يعكس جذور المجتمع ولا يحقق المشاركة الفعلية.
وبذلك، يتضح أن البيعة (Bay‘ah) تعبّر عن الشرعية التأسيسية المرتبطة بالانتماء والقبول، بينما الشورى (Shura) تعبّر عن الشرعية الإجرائية القائمة على المشاركة والتنظيم. ومن خلال الجمع بينهما يمكن فهم طبيعة الشرعية في كل نموذج من نماذج الدولة الثلاثة، والتمييز بين دولة تنشأ من داخل المجتمع، وأخرى تُعاد صياغتها هندسيًا، وثالثة تُفرض عليه من الخارج. وهذا التمييز يظل حاسمًا لفهم إشكاليات الشرعية والسيادة في الفكر الدستوري المقارن، إذ يبرز كيف تتباين مصادر الشرعية بحسب طبيعة الدولة وظروف نشأتها. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
الأول 04/ 04/ 2026م
التصنيف :
الرأي

